فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 470

تتطور مقولة العجز في السفينة لتصبح ذات بُعْدٍ تفجيري على مستوى الشعور والإحساس بالمفارقة ويضفي عليها الخطاب أفقًا كونيًا يتحول فيه الإندهاش الذي كان مفترضًا في"صيادون"إلى حالة قلق وتساؤلات ويأس وإحساس مرير باللاجدوى والعبث، يصبح الواقع معزولًا عن الشخصية لأنها اغتربت عنه، ولم تعد المقولة تناقش من منطق الوجود أو الوجوب، بل انتقلت لتناقش في الواقع النفسي وتحلل من منظوره، وتُصدر عليها الأحكام، وهذا التوجه في فهم العالم والواقع يبين الخصوصية (السيكولوجية) للكاتب أولًا وللشخصية الروائية التي تمثل الشخصية العربية والتي تنزع إلى التأمل والتفجيرية واللجوء إلى أحد"الهروبات"وما فعلته شخصية السفينة، بل جميع شخصياتها هو الهروب إلى ملاجئ متعددة سندرسها في فصل قادم، ويشكل الإحساس بعجز الوطن الكبير العامل الأهم في انفصال الذات الفردية عن الواقع، لأن سقوط الجدار الأخير ذو أثر كبير (إلى حد الجنون) في الذات، وتنبع أهمية هذا العامل من زعزعة قدرات العوامل الأخرى للبحث عن الخلاص ومحاولة حجب الثقة عنها في مرحلة من مراحل التاريخ العربي المعاصر، فالعامل الديني في الرواية أصبح موضع تساؤل وكذلك العامل الإقليمي ساقط بمجرد"التسمية"ولم يبق إلى العامل القومي"المتكأ الأخير"الذي أثبت عدم جدواه في النهاية.

وتتحول المعاناة إلى أفق أوسع حيث تصل إلى يأس مطلق من كل قيمة ومن كل من يدعي أو يراوده حلم الحقيقة أو التغيير: (( في الواقع كل من يدعي أنه يقول لك الحقيقة، واحد من اثنين: إما أنّه واهم ولا يعرف، أوأنه كاذب على كل حال. وماهي الحقيقة؟ على كندرتك! قلنا الصدق حتى بحت حناجرنا، توهمنا الصدق في أمم العالم، وإذا نحن ضحية سذاجتنا. وقد عرفنا ذلك كأمة وعرفناه كأفراد ) ). [1]

(1) السفينة ص 17.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت