إلى غير ذلك من الآثار المروية عن السلف في هذا المعنى. وهي دالة في مجموعها على اتفاق السلف رحمهم الله على عدم جواز الصلاة خلف من كفر ببدعته من أهل البدع: كالقدرية والجهمية والرافضة، وهكذا الحكم في الصلاة خلف كل من حكم بكفره من أهل البدع من غير هؤلاء: أن الصلاة خلفهم باطلة وغير صحيحة ومن صلى خلفهم أعاد الصلاة سواء كان صلاة جمعة أو عيد أو غيرهما من الصلوات الخمس.
لكن ينبغي التنبيه هنا على أن تكفير السلف لبعض فرق أهل البدع من القدرية والجهمية والرافضة، هو من باب التكفير المطلق، ولا يستلزم تكفير كل أفراد هذه الفرق، بل يتوقف في تكفير الشخص المعين منهم فلا يكفر حتى تثبت الحجة عليه بالكفر. للمزيد حول تكفير السلف لبعض أهل البدع و شروط ذلك، راجع كتاب موقف أهل السنة والجماعة من أهل الأهواء والبدع (1/ 190 191) .
لذا فإنه ينبغي مراعاة ذلك هنا، فلا يحكم ببطلان الصلاة خلف كل قدري وجهمي ورافضي بناء على ما دلت عليه أقوال السلف ببطلان الصلاة خلفهم حتى يثبت كفر ذلك الإمام عينه، تثبت الحجة عليه بأنه كافر، لأن الحكم ببطلان الصلاة خلفه معلق بكفره فيثبت بثبوته وينتفي بانتفائه.
ولهذا ثبت عن الإمام أحمد أنه صلى خلف بعض الجهمية مع تكفيره لهم في الجملة وقوله ببطلان الصلاة خلفهم، لأنه لم يكفر هؤلاء الأعيان، كما نقل ذلك عنه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث قال: مع أن أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولاكل من قال إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة ولم يكفرهم أحمد وأمثاله. انظر: مجموع الفتاوى (7/ 507 508) .
وهذا النص قد تمسك به بعض الجهمية والمنافحون عنهم في هذا العصر في دعوة أهل السنة لموالاة الجهمية والركون إليهم من الصلاة خلفهم وغيرها مما هو معارض للعقيدة الصحيحة وموقف السلف تجاههم، ولا حجة لهم فيه، فصلاة الإمام أحمد خلف بعض الولاة ممن تأثروا بأقوال الجهمية لكونهم لم تثبت عليهم الحجة بالكفر، لجهلهم أو لمانع آخر من موانع التكفير، ولا يعني قوله بجواز الصلاة خلف الجهمية، بل إن أقواله وأقوال غيره من السلف صريحة في عدم جواز الصلاة خلفهم، عدا الجمعة فإنها تؤدى خلفهم وتعاد لبطلانها على ما تقدم النقل عنهم بذلك آنفًا.
وقد تولى الرد على هذه الشبهة بعض أئمة الدعوة كالشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن وتلميذه الشيخ سليمان بن سحمان رحمهما الله. انظر: الدرر السنية (3/ 197 198) و (6/ 238 239) وكشف الشبهتين (ص 20 21) . وانظر ما ذكره الشيخ سلمان بن سحمان رحمه الله في مقدمة رسالته كشف الشبهتين (ص 7 9) عن بعض تلبيسات الجهمية المعاصرين القاطنين سواحل عمان وغيرها على بعض العوام من أهل السنة بنقل بعض كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وحمله على غير مقاصده الصحيحة.
فظهر بهذا العرض لأقوال السلف في مسألة حكم الصلاة خلف المبتدع الكافر، اتفاق السلف قاطبة على عدم صحة الصلاة خلف من حكمنا بكفرهم من أهل البدع وأن على من صلى خلفهم إعادة الصلاة لبطلانها.