غير أن هاهنا مسألة لابد من الإشارة إليها وهي هل ينهى عن أداء الصلوات خلفهم؟ أو يؤمر بأدائها ثم إعادتها؟
كان بعض الأئمة يرى أداء الجمعة خلفهم خاصة ثم إعادتها كما هو ظاهر من بعض الآثار المتقدمة عنهم كالأثر المروي عن يحيى بن معين أنه كان يؤدي صلاة الجمعة خلف الجهمية ثم يعيدها، و كذلك الإمام أحمد صرح بأنه يعيدها وأمر بإعادتها خلفهم، مما يدل على أنه كان يشهدها معهم، وقال الإمام البربهاري: وإن كان إمامك يوم الجمعة جهميًا وهو سلطان فصل خلفه وأعد صلاتك. شرح السنة (ص 49) ، وإنما قال السلف بشهودها معهم لعموم أمر الله بإجابة ندائها في قوله {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} .
أما إن كان المبتدع لا يكفر ببدعته، ففي حكم الصلاة خلفه تفصيل بحسب حاله وأحوال المأمومين، وبيان ذلك: أن المبتدع إما أن يكون معلنًا لبدعته داعية إليها، أو لا يكون ..
فإن كان داعية لبدعته، ولم يمكن إقامة الجمع والجماعات إلا خلفه كالجمعة التي لا تقام إلا بمكان واحد هو إمامها، وكالعيدين والصلوات في الحج، كذلك الصلوات الخمس إذا لم يكن في البلدة أو القرية إمام لها غيره ..
ففي هذه الحالة تؤدى تلك الصلوات خلفه، لأن ترك الصلاة خلفه هنا إما أن يؤدي إلى تعطيل بعض هذه الصلوات بالكلية كالجمعة والعيدين، أو تفويت الأفضل بترك الصلوات الخمس في جماعة عند من لا يقول بوجوب الجماعة، و عند من يقول بوجوبها يعد تركها تركًا لواجب، فتؤدى هذه الصلوات خلف المبتدع المعلن لبدعته عند عامة السلف والخلف، ولا يترك شهود هذه الصلوات لكون الإمام مبتدعًا، ومن تركها لذلك فهو مبتدع عند أكثر أهل العلم من أهل السنة.
وقد دلت على تقرير هذه المسألة أقوال السلف وأفعالهم من الصحابة والتابعين ومن جاء من بعدهم من سلف الأمة الصالح:-
1 روى البخاري في صحيحه عن عبيد الله بن عدي رضي الله عنه، أنه دخل على عثمان بن عفان رضي الله عنه وهو محصور فقال: إنك إمام عامة ونزل بك ما نرى، و يصلي لنا إمام فتنة، ونتحرج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإذا أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساءوا فاجتنب إساءتهم. البخاري مع الفتح (2/ 188) .
2 وقد صلى بعض الصحابة خلف أهل البدع كما روى ابن أبي زمنين عن سوار بن شبيب قال: حج نجدة الحروري في أصحابه فوادع ابن الزبير، فصلى هذا بالناس يومًا وليلة وهذا بالناس يومًا وليلة، فصلى ابن عمر خلفهما، فاعترض رجل فقال: يا أبا عبد الرحمن أتصلي خلف نجدة الحروري؟ فقال ابن عمر: إذا نادوا حي على خير العمل أجبنا، وإذا نادوا حي على قتل نفس، قلنا: لا ورفع بها صوته. أصول السنة لابن أبي زمنين (3/ 1003) .
وقد اشتهر ذلك عن الصحابة عند أهل العلم فتناقلوه في كتبهم.