والزهد (5) وهذا دليلا شاف كاف على قدم وجود الإسلام، وقد نفى ابن معين ذلك وقال: هم أبعد الناس من الإسلام (6) وبهذا أصبح هناك تناقضًا بين كلامه، وكلام الذي سبقه 0
وماذا عن الوثنية؟ الذي ذكرها ابن الكلبي، وقصة عمرو بن لحي الذي ادخل عبادة الأصنام إلى مكة، وكان أول من غير دين النبي إسماعيل (ع) فنصب الأوثان، بعد ان تولى حجابة البيت، ثم انه مرض فذهب إلى الشام لغرض العلاج فوجدهم يعبدون الأصنام، فأخذها منهم ونصبها في الكعبة (7) مع علمنا ان الرواية ربما تكون من اغلوطات ابن الكلبي، إذ أراد ان يحفظ بها ماء وجه قريش عندما نسب الوثنية إلى عمرو بن لحي، فالوثنية قديمة في مكة 0
وكان أولاد معد على دين النبي إسماعيل (ع) ومعهم ربيعة ومضر (8)
وللفائدة نقول: ان ما ذكره ابن قتيبة يكشف عما انطوت عليه سريرته، يريد القول ان الحيرة مجاورة بلاد فارس، المتهمة بالزندقة فأخذوها منهم، وفاته معرفة ان سلمان المحمدي فارسي الأصل وكان يعبد الله ويصلي كما يصلى خليل الرحمن قبل بعثة النبي محمد (ص) بثلاث سنوات كما سنرى، وان النبي إبراهيم كان مسلمًا بنص القرآن، ولهذا روي أن أحبار اليهود ونصارى نجران اجتمعوا عند النبي (ص) فتنازعوا في النبي إبراهيم (ع) فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا، وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا، فأبطل الله دعواهم بقوله تعالى {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ * هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ * مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (9) فاليهودية والنصرانية حادثتان بعد النبي إبراهيم، فكيف يكون يهوديا أو نصرانيا! فـ اليهودية محرفة عن ملة النبي موسى (ع) والنصرانية محرفة عن شريعة النبي عيسى (ع) فلذلك قال تعالى: ان التوراة والإنجيل نزلتا من بعده، فكيف يكون إبراهيم منسوبا إلى ملة حادثة بعده؟! فإن قيل: ينبغي أن لا يكون حنيفا مسلما، لأن القرآن نزل بعده، لذلك يمكن القول: ان معنى الحنيف الدين المستقيم، لأن الحنف في اللغة هو الاستقامة، والإسلام ههنا هو الطاعة لله تعالى والانقياد لأمره، وكل أحد من أهل الحق يصح وصفه بذلك، فقد علمنا أن الأنبياء المتقدمين إبراهيم ومن قبله قد كانوا بهذه الصفة، فلذلك جاز أن يسمى إبراهيم حنيفا مسلما وإن كان القرآن نزل بعده، لأن هذا الاسم ليس مختص بنزول القرآن من دون غيره، بل يصح صفة جميع المؤمنين به، واليهودية والنصرانية صفة حادثة لمن كان على ملة حرفها منتحلوها من شريعة التوراة والإنجيل، فغير جائز أن ينسب إليها من كان قبلها (10) 0
والشريف الرضي جعل العرب صنوف شتى: صنف أقر بالخالق وبالابتداء والإعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام، زعموا لتقربهم إلى الله زلفى، ونحروا لها الهدايا، ونسكوا لها النسائك، وأحلوا لها وحرموا، ومنهم صنف أقروا بالخالق وابتداء الخلق، وأنكروا الإعادة والبعث والنشور، وصنف أنكروا الخالق والبعث والإعادة، ومالوا إلى التعطيل والقول بالدهر، وهم الذين أخبر عنهم قوله تعالى {وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ} (11) وصنف مالوا إلى اليهودية، وآخر إلى النصرانية (12) 0
وكانت شبه الجزيرة العربية تدين بشرائع شتى فيها اليهودية والنصرانية، وهذا ما أشارت إليه بنت الشاطئ بقولها"كانت نجران مركز النصرانية في بلاد العرب، ويثرب وما حولها من شمال الحجاز مستعمرات يهود، وهؤلاء وأولئك أهل كتاب يتلون التوراة والإنجيل، ويصدقون برسالات الله، لكن موقفهما في الواقع التاريخي كان مختلفا، اذ كان نصارى نجران عرب مؤمنين، فيهم رهبان بررة مخلصين في العبادة وعازفين عن الشهوات وأغراض الدنيا، ويهود يثرب أجانب طارئون دخلاء، يدعون الموسوية ذريعة استغلال وفيهم أحبار ذو عدد، شغلوا عن الدين بالدنيا، وقد كان لليهودية الغلبة، فأقصوا النصارى"إشارة إلى قضية شهداء الأخدود 0
الملاحظ على ما ذكرته بنت الشاطئ فيه تحامل على اليهود، إذ ذكرت أنهم يدعون الموسوية، والصحيح إنهم لا يدعون ذلك، بل هذه من المسميات الحديثة، وهي خاطئة مثل تسمية المسيحيين، نسبة إلى السيد المسيح، والموسويين نسبة إلى النبي موسى (ع)