الصفحة 191 من 243

وأخيرا، فإن التأمل والتمعن في سبب نزول آية الحجرات كاف لبيان أهمية التثبت والتبين وأثرهما في حياة الفرد والأمة، ومن قرأ قصة داود - عليه السلام - في سورة (ص) عرف قيمة هذا المنهج وسموه.

ثانيا: المنهج الشرعي في التثبت والتبين

عند ورود الخبر فإنه يجب مراعاة ما يلي (1) :

1-عدالة الراوي وذلك بسلامته من الفسق وخوارم المروءة. وهذا أمر واضح، وقل من يغفل عنه إلا من لا يعتد به، والآية نص فيه.

2-ضبط الراوي واتقانه وقوة حفظه.

إن كثيرا ممن يروون الأخبار ويتلقونها يغفلون عن هذه القضية، أو يتساهلون بها، والأمر عندهم يتوقف على عدالة الراوي وورعه، دون النظر في ضبطه وإتقانه، ولذلك رأينا أخبارا متناقضة تروى عن العدول، والسبب في ذلك عدم مراعاة هذا الأمر عند نقل الأخبار.

ولقد عني السلف بهذا الشرط عناية فائقة، تدل على سمو هذا المنهج وسلامته.

قال ابن أبي الزناد - رحمه الله: أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله (2) .

وقال الإمام مالك - رحمه الله: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول: قال رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - عند هذه الأساطين، وأشار إلى المسجد، فما أخذت عنهم شيئا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان أمينا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن (3) .

وقال وكيع بن الجراح - رحمه الله تعالى: وذكر حديثا رواه أحد السلف:"ذاك رجل صالح.. وللحديث رجال" (4) .

وليس المقام مقام حصر ما ورد في ذلك، وإنما المراد بيان أهمية مراعاة الضبط والإتقان في الرواية والتلقي.

(1) - انظر: رسالة نحو منهج شرعي لتلقي الأخبار وروايتها، للصويان وكتاب منهج أهل السنة والجماعة في النقد والحكم على الآخرين لهشام الصيني.

(2) - انظر: صحيح مسلم 1-51 (المقدمة) .

(3) - انظر: ترتيب المدارك (1-138) .

(4) - انظر: شرح علل الترمذي لابن رجب الحنبلي 1-94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت