فهرس الكتاب
3-حسن الفهم ودقة الاستيعاب للمراد
وهذا يختلف عن الأول والثاني، فكم من ورع حافظ لكنه لا يفقه ما يروي وما يحفظ.
وقد يتصور البعض صعوبة التفريق بين الضبط والاتقان، وبين الفهم والإدراك، وهذا ناشئ من رداءة الفهم وضعف الإدراك، وإلا فإن الطفل يحفظ حفظا عجيبا قد يعجز عنه بعض الكبار، ومع ذلك لا يدرك ما يحفظ ولا يفهم ما يروي.
فالحفظ والفهم موهبتان منفصلتان، قد تجتمعان وقد تفترقان، ولا تلازم بَيْنَهُمَا.
والحفظ يغلب فيه الجانب الجبلي على الجانب المكتسب، والفهم بعكس ذلك يغلب فيه جانب الاكتساب على جانب الجبلية.
ومما ورد عن السلف في ذلك ما رواه ابن وهب عن مالك، وهذا الشأن - يعني الحديث والفتيا - يحتاج إلى رجل معه تقى وورع وصيانة، وإتقان (وعلم وفهم) فيعلم ما يخرج من رأسه وما يصل إليه غدا، فأما رجل بلا إتقان (ولا معرفة) فلا ينتفع به ولا هو حجة،ولا يؤخذ عنه (1) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله: وكثير من الناقلين ليس قصده الكذب، لكن المعرفة بحقيقة أقوال الناس من غير نقل ألفاظهم، وسائر ما به يعرف مرادهم قد يتعسر على بعض الناس، ويتعذر على بعضهم (2) .
وقال ابن القيم - رحمه الله: صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، ثم قال: وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد، يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد (3) .
ويقول في موضع آخر، والعلم بمراد المتكلم يعرف تارة من عموم لفظه، وتارة من عموم علته.
والحوالة على الأول أوضح لأرباب الألفاظ، وعلى الثاني أوضح لأرباب المعاني والفهم والتدبر.
وقد يعرض لكل من الفريقين ما يخل بمعرفة مراد المتكلم، فيعرض لأرباب الألفاظ التقصير بها عن عمومها، وهضمها تارة، وتحميلها فوق ما أريد بها تارة.
(1) - انظر: ترتيب المدارك 1-138.
(2) - انظر: منهاج السنة6-3030.
(3) - انظر: أعلام الموقعين1-87.