فهرس الكتاب
سابعًا: الوحدة الموضوعية للسورة
النظرة العجلى في السورة، قد توحي لصاحبها أن هذه السورة قد اشتملت على عدة موضوعات متفرقة، ولكن النظرة المتأنية الواعية تصل بصاحبها إلى أن السورة تتناول موضوعا واحدا، تتفرع عنه عدة موضوعات مترابطة، حيث تجد التجانس والتلاحم يجمع بين أولها وآخرها ويؤكد ذلك وسطها.
إننا نلمس الوحدة الموضوعية للسورة من خلال معالجتها لقضايا أساسية في المجتمع المسلم، وفي مقدمتها موضوع الإيمان، الذي هو الأساس الذي جاءت من أجله السورة، ومن ثم جاءت الموضوعات الأخرى متفرعة عنه وموصلة إليه، وبيان ذلك كما يلي:
أولا: بناء الإيمان، وتصحيح المفهوم الخاطئ حوله عند بعض المسلمين، وخلطهم بين الإسلام والإيمان.
وهذه القضية تبرز في أول السورة كما في آخرها، بل في كل آية من آياتها وكل مقطع من مقاطعها.
إن الإسلام قد اتضحت معالمه، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
أما الإيمان بمفهومه الدقيق، ومستلزماته العملية، فإنه لا يزال بحاجة إلى مزيد بيان وجلاء، ولولا ذلك لما قالت الأعراب ما قالت، ولا غرو في ذلك (1) .، فإن الدين لم يكتمل إلا في حجة الوداع.
وتبرز هذه الحقيقة إذا علمنا أن السورة نزلت متأخرة، بل في آخر العهد المدني، وقبل حجة الوداع. وإنني ألمس هذا الجانب في أول كلمة في السورة، عندما يناديهم الله - جلا وعلا - بـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) (الحجرات: من الآية1) وقد تكرر هذا النداء عدة مرات، حيث أجد أنه في كل آية بدأت بهذا النداء ينبه إلى خصلة تنافي الإيمان، ولا يليق أن تقع مع المؤمن، وكأنه يقول إنكم مؤمنون ولكن ما يقع منكم يؤثر في إيمانكم، بل قد يكون سببا لذهاب الإيمان (أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: من الآية2) وقد تكرر هذا النداء خمس مرات في هذه السورة.
(1) - أي لا غرو في عدم اكتماله لا في ما حدث من الأعراب.