(11) فالمجهور أقوى من المهموس (12) وينتج عن المهموس نغمة صوتية منخفضة لعدم وجود الرنين في غرفة الرنين (التجويف الحلقي او الفمي) لانعدام النغمة الحنجرية لأن الأوتار الصوتية لا تتذبذب مع المهموس (13) والسين من أصوات الترقيق فلا يحدث عند النطق به رنينا مسموعا في حين يحدث هذا الرنين في أصوات التفخيم (14) .
وهذه الصفات تؤهل السين ليتناسب مع الهمس والخفاء والخفوت وخفض الصوت في الوسوسة الصادرة من شياطين الإنس فضلا عن ضعف الوسوسة في ذاتها لاختفائها بذكر الله تعالى
والسين ـ بما ذكرته عنه من صفات ـ يتناسب دلاليا مع اسم الشيطان (الوسواس) الذي يدل في أصل وضعه على صوت الحلي (15) وهنا نكتة طريفة يتوجب بيانها مفادها أنّ صوت الحلي يحدث عند لبس المرأة لحليها , وهذا يحصل عندما تتزين لزوجها إنْ كانت متزوجة فإنْ لم تكن فإنّ إبداء زينتها مرتبط بإغواء الشيطان ان لم يكن هذا الابداء مما رخصه الله بقوله تعالى: (( وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون ) ) (النور31) ومن هنا فقد ربط الواضع الأول لهذه المفردة بين الشيطان (الوسواس) وصوت الحلي (الوسواس) فإغواء الشيطان وهمسه ووسوسته في قلبها وضميرها ينتج عنه التزين بالحلي فتنتج عنه وسوسة (صوت خفي) ومن هنا سمي الشيطان وسواسا ومن هنا ارتبط (الوسواس) بالخفاء وقد قلنا أنّ السين يتناسب مع صفة (الخفاء) لهذا يتناسب مع (الوسواس) فالسين صوت خفي والوسواس كذلك، ومن هنا نفهم وجود (سينين) في (الوسواس) ليتلاءم تركيبها الصوتي مع دلالتها. ولعل سؤالا يطرح ما الذي يجعل السين مقترنة بالوسوسة مع كونه صوتا خافتا رخوا ضعيفا؟ ألا تقترن الوسوسة بصوت ثان لا يكون خافتا؟ والجواب أن صوت السين بما يمتلكه من صفات ذكرناها سابقا يكون ملائما للوسوسة فضلا عن أنه يمتلك صفة أخرى تجعله أنسب للوسوسة هي أنه (( أندى في السمع ) ) (16) وهذا يعني انه يجمع الخفاء واستساغة الأذن له وبعبارة علمية انه يمتلك طولا في الأمواج الصوتية تصل الأذن من غير تعب وكد وصعوبة فيسهل سماعة على الرغم من خفوته وهمسه، يقول برتيلم المبرج: (( إن( s) يحتوي على أعلى الترددات من 8 ـ900 دورة في الثانية مما يجعله حادا )). (17) على غشاء طلبة الاذن الذي يعمل بالترددات (أي ان غشاء طبلة الاذن الذي يعمل بترددات الصوت تزداد حركته مع كثرة ترددات السين فتزداد الطرقات الناتجة من مطرقة الاذن(18) مما يؤدي بالتالي الى ازدياد قوة سمع السين. فهو خافت ومع خفوته فهو واضح (مسموع) بسبب علو تردداته.
إن قراءة السورة قراءة متصلة تحدث وسوسة في الحلق مصحوبة بصفير وتخيل أنّ شيطانا من شياطين الأنس أرادأن يوحي بمكره وشره إلى شخص ما ماذا تسمع لهما، حتما ستسمع لهما وسوسة وصوتا غير مفهوم مصحوبا بأزيز وصفير لأن شيطان الإنسيلقي كلامه بصوت خفي مهموس ومن هنا نفهم تكرار صوت السين في السورة تسع مرات مشفوعا بصوت الصاد في (صدور الناس) حتى يتناسب الصوت الناتج عن قراءتها مع فعل الشيطان فتناسب الفكرة التي بنيت عليها السورة تركيبها الصوتي.
وصف القدماء والمحدثون صوت السين أنه من أصوات الصفير وقالوا عنها أنها أصوات تنسل انسلالا (19) وهذا الوصف لصوت السين يتناسب تماما مع الوسواس ـ الذي تكثر السينات في اسمه وصفاته ـ فالشيطان ينساب إليك انسيابا وينسل إلى نفسك انسلالا من حيث تدري ولا تدري فيحدّث النفس ويمنيها الخير ومنه قوله تعالى: (( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى ) ) (طه 120) ويوحي إلى الناس زخرف القول (20) و (( يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) ) (النساء:120) (( فالشياطين يمزجون أعمالهم دائما بالتستر. ويرمون بإلقاءاتهم في الإنسان بطريقة خفية حتى
يخال الإنسان أن هذه الإلقاءات من بنات أفكاره، وهذا ما يؤدي إلى ضلاله وغوايته )) (21)