فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 11

فالشيطان والسين ينسل كل منهما انسلالا، وهذا يعني انسجام التركيب الصوتي للمفردة مع دلالتها أو لازمة من لوازم ما تدل عليه.

وقال ماريو باي (( ويوصف الصوتان(س، ز) غالبا بأنهما صفيريانلما يصحبهما من صفير أوأزيز )) (22) وذهب إلى هذا القول فوزي حسن الشايب مؤكدا أنّ هذه الأصوات تعطي أزيزا مسموعا هو الصفير (23) ولم يصف القرآن أحدا من مخلوقاته بـ (الأز) إلا الشيطان، قال تعالى: (( ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا ) ) (مريم83) و معناها لا يخرج عن أنّ الشياطين تنفذ إلى قلوبهم وأرواحهم فتحدثهم حديثا خفيا وتحضهم وتهيجهم وتغريهم على المعاصي، بالتسويلات وتحبيب الشهوات وتزعجهم إلى فعل السوء وتجعل قلوبهم تغلي لأنهم لم يفعلوا مزيدا من المعاصي وتحثهم على المزيد منها وتقلبهم كيفما تشاء وتحركهم بشدة وإزعاج وتهيجهم إلى الشر والفساد فيجتمعون ويختلطون ولا شك أنّ هذا يرافقه صوت وكثرة من حديثهم وهمسهم ونقاشهم بصوت خافت خفي فتسمع لهم أزيزا كأزيز القدر المغلي (24) فلأزيز إذن لازمة من لوازم الشيطان وفعل من أفعاله، وهو لازمة من لوازم السين وصفة لها، ومن هنا نفهم تكرار صوت السين في (الوسواس) وصفاته (الوسوسة والخنس) مما مر نلحظ التناسب في التركيب الصوتي للكلمات مع دلالاتها أو لازمة من لوازم ما تدل عليه.

دلت النصوص القرآنية على أنّ الشيطان يوحي إلى أوليائهأوانه يستفزز الناس أو أنه يمليلهم ويناجيهم (25) ، وهذاكله بمعنى أنه دعاهم أو يدعوهم غير أنّ الله ـ تعالى ـ صرح أنّ الشيطان دعاهم فاستجابوا له قال تعالى: (( وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي ) ) (إبراهيم 22) وقال تعالى: (( أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير ) ) (لقمان 21) وحتما أن يكون هذا الدعاء بصوت خفي، لأن الشيطان ـ هو وما تبعه من صفات ـ خفي، فلو علمناأنالسين من حروف الصفير وان الدعاء واحد من معاني الصفير (26) عرفنا سرا من أسرار وجود السين في التركيب الصوتي للوسواس وصفاته وهذا غاية في الانسجام الصوتي بين لازمة من لوازم الوسواس ودلالة الأصوات الشائعة في تركيب المفردة الدالة عليه.

وصف الله تعالى الشيطان (الوسواس) بصفات كثيرة منها ضعف كيده، وخوفه ونكوصه على

عقبيه وتخليه عن ضحاياه والتبرؤ منهم وخذلانهم، (27) ، ولهذا نعته الله (جل وعلا) بالخناس فهو ضعيف حالما يذكر الله يختفي، وصفة الشيطان هذه تلتقي مع صفة من صفات السين التي يتشكل (الوسواس) من أكثر من واحد منها فهو من الأصوات الرخوة أوما أطلق عليه المحدثون الأصوات الاحتكاكية وفيها لا ينحبس الهواء انحباسا تاما ويضيق مجراه فيها ضيقا كبيرا مما يسمح بمرور النفس فيؤدي إلى حدوث نوع من الصفير أو الحفيف تتفاوت شدته بتفاوت نسبة ضيق مجرى الهواء (28) وليس هذا حسب فالسين ـ على وفق ما قرره الصوتيون العرب ـ صوت رخو ضعيف بل اضعف الأصوات الرخوة والرخاوة فيه قويه كثيرة واضحة (29) ومع كون السين صوتا رخوا فهو صوت مرقق (30) و ليس لنطقه رنين في حجرة الرنين لأنه مهموس وقد قال سيبويه عن الأصوات المهموسة (( وأما المهموس فحرف أضعف الاعتماد في موضعه حتى جرى النفس معه ) ) (31) وهذا يعني أنّ السين صوت ضعيف ولما كان الوسواس ذا كيد ضعيف خائفا خذولا يختفي بذكر الله فقد حصل تناسب وتلاؤم بين لازمة من لوازمه وبعض صفات هذا الصوت، أي: أن هناك انسجاما بين أصوات الكلمة وبعض دلالاتها.

ولما كان الشيطان ضعيفا صح وصفه بالخناس التي تحتوي على السين في تركيبها وهو ـ بما ذكرناه عنه من صفات ـ يناسب معناها لأنها تعنياختفاء الوسواسوتأخره عند ذكر الله (32) أو الكثير الاختفاء بعد الظهور (33) أو المستتر المختفي من أعين الناس (34) وهي صيغة مبالغة من (خنس) ، ومعانيها كلها تؤدي إلى معنى واحد هو الخفاء والضعف وهو متناسب مع ما ذكرناه من صفات السين كالهمس والترقيق وعدم حصول الرنين، وهذا يعني أنّ هناك تلازما دلاليا بين اللفظة وتركيبها الصوتي.

وإذا نظرنا إلى السين رأيناأنها من حروف الانفتاح وهي التي لا يرتفع فيها أقصى اللسان نحو الحنك الأعلى و لا يتأخر نحو الجدار الخلفي للحلق (35) وان السين من أصواتالاستفال وفيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت