ينخفض أقصى اللسان إلى قاع الفم، وهي من أصوات الترقيق وفيها لا يضيق مجرى البلعوم لأن مؤخرة اللسان لا تتأخر فيه وعلى وفق هذا فالسين من الأصوات المنفتحة والمستفلة والمرققة (36)
وفي كل منها يحصل ترقيق للصوت , لكن الذي يهمنا أن هذا الترقيق ناتج عن بقاء مؤخرة اللسان منخفضة إلى قاع الفم وعدم رفعها نحو الأعلى, وكأن في السين شيئا مما في الوسواس فكلاهما في القاع , فالسين في قاع الفم والوسواس في قاع جهنم , ومن هنا فإنّ هناك تناسبا بين الأصوات المكونة للوسواس ولازمة من لوازم ما تدل عليه تلك المفردة.
إن صوت السين في (الوسواس) صوت مكرر وفي هذا التكرار تفخيم صفات السين وتكرارها مرتين , وهو يدل دلالة واضحة على أنّ الوسواس لاينفك عنك فمادمت في ذكر الله خنس واختفى وبمجرد أنْ تغفل عن ذكر الله عاد وظهر مرة ثانية، فالوسواس: الشيطان، سمي بالمصدر كأنه وسوسة في نفسه لأنها صنعته وشغله الذي هو عاكف عليه (37) وهل يغادر أحد عمله الذي هو عاكف عليه؟ و (( قيل: سمي الشيطان خناسا لأنه يوسوس للإنسان فإذا ذكر الله تعالى رجع وتأخر ثم إذا غفل عاد إلى وسوسته ) ) (38) وهذا ما يؤكده تكرار السين في (يوسوس) إذانه يدل على تكرار فعل الشيطان ومعاودته إغواء (الناس) ضحاياه وأوليائه , و أنّ تكرار الوسوسة مرتبط بصفاتها من همس وخفاء .. الخ وهو ما يدل عليه تكرار صوت السين فيها.
تواترت الروايات عن النبي محمد (ص) أنه كان يقطع قراءته آيةآية (39) أي انه كان يقف على نهاية كل آية ومفاد هذا الحديث في بحثنا أن الوقف في سورة الناس لا يكون إلا على السين وهو صوت مهموس والأصوات المهموسة كلها تقف عندها مع نفخ، وبعض العرب أشد نفخا (40) وقد تواترت الروايات عن الإمام الصادق (ع) عن النبي (ص) أنّ الشيطان ينفخ في قلوب الناس (( روى العياشي بإسناده عن أبان بن تغلبعن جعفر بن محمد قال: قال رسول الله(ص) : ما من مؤمن إلاولقلبه في صدره أذنان أذن ينفث فيها الملكوأذن ينفث فيها الوسواس الخناس، فيؤيد الله المؤمن بالملك، وهو قوله سبحانه: (( وأيدهم بروح منه ) ) (المجادلة:22 ) ) ) (41) ولما كان السين احد المكونات الصوتية الأساسية للوسواس وصفاته ولسورة الناس عموما علمنا التوافق الصوتي بين النفخ الناتج في السين عند الوقف على كل آية من السورة والنفث الصادر من الشيطان، وهذا يعني وجود انسجام صوتي بين
المكونات الصوتية للمفردة ولازمة من لوازم دلالتها.
مما يلحظ أنّ السين أحد الأصوات المكونةلكلمة الناس المكررة أربع مرات، وأصلها الأناس فأسقطت الهمزة استثقالا وتخفيفا للنطق فصارت الناس ومفردها الإنسان لأن الإنسان فعلان من الإنس وأصله أنسيان: فعليان من الإنس وجمعها الأناس (42) ووصف الله الإنسان فقال: (( وخلق الإنسان ضعيفا ) ) (النساء 28) فلولا الضعف لما تسلل الشيطان إلى قلبه و ولولاه لما استعاذ الإنسان بربه وملكه وإلاهه وقد (( قيل: إن المراد بالناس الأول: الأجنة، ولذلك قال:(برب الناس) لأنه يربيهم، والمراد بالثاني: الأطفال، ولذلك قال: ملك الناس لأنه يملكهم، والمراد بالثالث: البالغون المكلفون، ولذلك قال: (إله الناس) لأنهم يعبدونه )) (43) وفي هذا التفسير يظهر ارتباط الضعف بفئات الناس المختلفة في السورة، وهو ما يتناسب مع السين الرخوة الرقيقة المستفلة المهموسة وكلها علامات وأمارات ضعف في السين ومنهنا فان كلمة (الناس) في السورة أنسب من غيرها ولذلك قال الله تعالى: (( قل أعوذ برب الناس(1) ملك الناس (2) إله الناس (3 ) )) (الناس:1ـ3) مع أنه رب المخلوقات وملكها وإلاههاجميعها، فالانسجام الصوتي حاصل بين لازمة من اللوازم الدلالية للناس وبين واحد من مكوناتها الصوتية.
إنّ التراكم الصوتي للسين أحدث في السورة تراكما في الهمس وانخفاضا في النغم وضعفا ورقة في الصوت وهو ما يتناسب مع ذكر الوسواس وطبيعته الخفية وضعف كيده ومكره وخوفه وخذلانه لضحاياه، وضعف الناس وانخداعهم بما يوسوس في صدورهم وانسياقهم له، يقابله في السورة تراكم أصواتأخرى وهي (النون و اللام) تليها (الراء و الميم) وهذه الأصوات الأربعة تتصف بصفات مشتركة منها:
1 ـ جمعها بين صفات الأصوات الشديدة (الانفجارية) والرخوة (الاحتكاكية) التي لم تتم فيها صفة الشدة، ولم تتم فيها صفة الرخاوة، وإنما تجمع الصفتين (44) ويحدث عندإنتاجها