اعتراض لمجرى النفس لكنه يتسرب من موضع آخر من آلة النطق فهي تبدو شديدة (انفجارية) في مبدئها، رخوة (احتكاكية) في منتهاها. (45)
2ـ إنها أصوات رنانة (46) قال الباحث سلمان حسن العاني عن الميم: (( ولهذا الصوت رنين ضعيف ) ) (47) ، وقال عن النون (( وهي كالميم، تمتاز برنين ضعيف ) ) (48)
3 ـ خفتها على اللسان ولهذا اتخذها الخليل معيارا صوتيا للتعرف على أصالة أبنية معينة من الكلمات أو توليدها أو ابتداعها أو للحكم على عروبتها أوعدم عروبتها. ولخفتها كثر دورانها في الكلام وشاعت في أبنية الكلام العربي (49) .
4 ـ إنها أصوات مجهورة (50) .
5ـالوضوح السمعي وذلك نتيجة طبيعة لحرية مرور الهواء عند نطق هذه الأصوات جميعا. لذا تسمى (أشباه الحركات) (51) وهي من أوضح الأصوات الساكنة في السمع (52) .
6ـ أنهاأطول في التصويت من الأصوات الرخوة ذات الصفير أو الحفيف (53) .
7 ـ سهولة النطق وذرب اللسان وحدته عند النطق بها (54) .
8ـ قربها من أصوات اللين بما تحتويه من جهر ووضوح سمعي وحرية مرور الهواء عند النطق بها، ولهذا السبب عد القدماء الواو والياء والألف منها (55) وأخرج بعضها المحدثون (56) ولهذا سميت أشباه أصوات اللين (57) وأشباه الحركات (58) .
إنّ هذه الصفات التي تتمتع بها هذه الحروف أعطت السورة وضوحا سمعيا وسهولة في النطق و نغما ورنينا يقابل الخفاء والضعف والهمس الذي أحدثه صوت السين لأن السورة تحمل نقيضين احدهما الشيطان وفعله والآخر الله (جل وعلا) وفعله وقد تحدثنا عن الشيطان وفعله وصفاته، أما الله تعالى فهو الأعلى، وكلمته هي العليا، وهو القوي العزيز، شديد القوى (59) و صفاته هذه تتناسب مع الصفات التي تتميز بها هذه الأصوات من وضوح الصوت وقوته وسهولة جريانه على اللسان مما يعطي السورة التي ذكر الله فيها ثلاث مرات تناسبا بين أصواتها ودلالاتها
إنّ هدف السورة وغرضها الاستعاذة وهو هدف مضاد تماما لهدف الشيطان فالشيطان لايريد أنْ يتعوذ الناس منه ليبقى جاثما على صدورهم يسيرهم كيف يشاء ويغويهم بما يحلو له فيستحوذ عليهم وينسيهم ذكر الله فيخسرون قال تعالى: (( اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) ) (المجادلة19) وهدف السورة طرد الشيطان بذكر الله تعالى وقد قال تعالى: (( وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) ) (الأعراف200) والاستعاذة بالله تكون بصوت عال ـ بدلالة الفعل (قل) في بداية هذه السورة وسورة الفلق ـ لأن القول لا يعد قولا ما لم يسمع ـ لخلق فعل صفته معاكسة لصفة فعل الشيطان ومتضادة معها، ولما كان الشيطان يفعل فعله بهمس وخفاء فإن الاستعاذة منه تكون بصوت واضح، وقد ورد الأمربالاستعاذة في القرآن الكريم مقرونا بعلو الصوت , قال تعالى: (( فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ) ) (النحل98) وقال تعالى: (( ان الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم ) ) (غافر56) ولا شك أنّ قراءة القرآن فيها رفع بالصوت لقوله تعالى: (( وَرَتّلِ القرآن تَرْتِيلًا ) ) (المزمل: 4) والمجادلة لابد أنْ تكون بصوت عال وإلّا كيف تكون مجادلة؟،هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن الموسوس قد لايكون الشيطان نفسه وإنما واحد من أعوانه من الناس ولهذا قال الله تعالى: (( مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ) ) (الناس:6) والاستعاذة من هؤلاء لطردهم أن تقول بصوت مسموع في وجوههم (( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) )فيخنسون، وكل هذا يتناسب مع صفات هذه المجموعة من الأصوات ويتلاءم معها. وهذا يعني ان هناك تلازما دلاليا بين هدف السورة وآليات تحقيقه مع مجاميع الأصوات المكونة لها ومن بديع النسج الصوتي لهذه السورة أنّ هذه الأصوات تشكل ثلاثين صوتا وهو ما يقرب من نصف مجموع الأصوات في السورة فإذا أضفنا لها مجموعة أخرى من التراكمات الصوتية تمتاز بقوة وضوحها السمعي وهي حروف العلة عرفنا غلبة الجهر و الوضوح السمعي في هذه السورة على الهمس والضعف فيها، وهذا الوضوح مرتبط دلاليا بغلبة ذكر الله وأمره على الشيطان وأعوانه من الجنة والناس وغلبة الاستعاذة بالله والمستجيرين به والالتجاء لله والملتجئين به على الشيطان وأعوانه