فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 11

ويتضح في هذه المجموعة من الأصوات غلبة صوت النون فيها حتى أنّ بعض اللامات قد تحولت إلى نونات على وفق قواعد الإدغام المعروفة لأنه ينسجم مع غيره من الأصوات فيتحول إليها وتتحول إليه عندما يكون في سياق الكلام، فهو (( من أكثرالأصوات العربية الصامتة قابلية للتغيير في الأداء النطقي الفعلي ) ) (60) وهو ذو رنين ضعيف ووضوح سمعي غير أنّ الملاحظة الظاهرة في هذه السورة هيأن صوت النون لم يتأثر بغيره وإنما تأثر به غيره فلم يأت ساكنا قبل واحد من أحرف (يرملون) ، فضلا عن أنّه ضعّف في مواضع عدة منها وهذا يعني أنّ صوت النون في هذه السورة مقصود لذاتهلما يحتويه من صفات ليحدث في السورة نغما يعاكس النغم الذي ينتجه صوت السين وبهذا تنتج في السورة صفتان صوتيتان متضادتان احدهما: ما يمثله صوت النون، والآخر: ما يمثله صوت السين، أحدهما الظهور والوضوح والجهر والأخرى الخفاء الهمس وكل منهما له ما يمثله فالوضوح والظهور يمثل ذكر الله والهمس يمثل الشيطان ووسوسته ومما يؤكد هذه النتيجة أنّ ذكر الله في بداية السورة ارتبط بالحرف (القاف) وهو من (( أطلق الحروف وأضخمها جرسا ) ) (61) ويمتاز بقوة وضوح الصوت (62) يتبعه (اللام) وهو صوت سمعي مجهور رنان وصوت الهمزة وهو صوت قوي (63) يتبعه صوت العين وهو من الأصوات المتوسطة عند سيبويه يمتاز بأنه يشبه القاف في كونه من أصوات الطلاقة ويمتاز بقوة الوضوح السمعي (64) ومجيء هذه الأصوات في بداية السورة مقرونة بذكر الله يؤكد التناسب بين صفاتها و ظهور أمر الله وحجته وظهور غلبته على الشيطان.

ومما يشد الانتباه أنّ صوت النون موجود في صفة الشيطان (الخنّاس) وهي صيغة مبالغة على وزن فعّال، ولهذا دلالة واضحة جدا إذ أنّ الخناس تعني الاختفاء بعد الظهور، والظهور تناسبه النون لأنها من الأصوات ذات الوضوح السمعي والرنين والجهر وهذا ما يناسب الظهور، غير أن النون في الخناس مشددة (مضعفة) وانقسم القدماء إزاء الصوت المشدد على قسمين: أحدهما: أنّ الصوت المشدد يقوم مقام حرفين ويستغرق نطقه من الوقت ما يستغرقه النطق بحرفين، وثانيهما: أنّ الصوت المشدد أطول من الصوت الواحد واقصر من الصوتين (65)

وذهب المحدثون إلىنّ الصوت المشدد من ناحية الصوت عبارة عن صوت واحد طويل (66) وعلى وفق هذا الرأيفإن التضعيف يؤدي إلى طول

الصوت مما يعني طول فترة ظهور الشيطان قياسا باختفائه لأن الوسوسة صنعته وهل يترك ذو الصنعة صنعته؟ غير أنّأعوانه من الناس لا يكادون يختفون، وقد قال الله تعالى عنهم: (( وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزتقُلُوبِ الذين لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِه اذا هم يَسْتَبْشِرُونَ ) ) (الزمر 45) ولولا طول فترة ظهور الشيطان وتمكنه من القلوب لما آل حال الأمةالإسلامية والعالم لما آل إليه اليوم.

تكررت الـ (راء) في السورة ثلاث مرات وهي في قوله تعالى: (( قل أعوذ برب الناس ) ) (الناس:1) محركة بالفتحة وهي عندئذ راء لمسية يسمع لها انحباس وانفجار في ضربة واحدة (67) من غير تكرار وهي كذلك في قوله تعالى: (( الذي يوسوس في صدور الناس ) ) (الناس: 5) أما الـ (راء) في قوله تعالى:

(( من شر الوسواس الخناس ) ) (الناس: 4) فقد جاءت مضعفة (مشددة) وهي عندئذ صوت لثوي مكرر مجهور (68) .

ويظهر من هذا أنّ الراء لما جاءت في لازمة من لوازم الشيطان وهي (شره) جاءت مكررة طويلة ـ لأن التضعيف تطويل للصوت (69) ـ كما أسلفت ـ وإنها لما جاءت في (رب الناس) و (صدور الناس) جاءت قصيرة غير مكررة وهذا يدل على تكرار وسوسته وطولها وتكرار ظهوره واختفائه في حين ضاع التكرار في (رب الناس) و (صدور الناس) لفقدان قصد التكرار ودلالته.

وهناك شكل آخر من أشكال التراكم الصوتي في السورة وهو شيوع صوتي اللين (الألف والواو) وهما من الأصوات الصائتة (70) وتمتاز بميزات عدة منها:

1ـ مرورهاتمر حرة طليقة دون عارض في الحلق والفم فقط، ويعترضها في منطقة الحنجرة الوتران الصوتيان فتكون مجهورة إذ يتضام الوتران الصوتيان وينفتحان بضغط هواء الزفير ثم ينطبقان بسرعة كبيرة (71) وهذا ما يجعلها أقوي الأصوات وضوحا في السمع (72) وتمثل قوة أسماع عالية جدا (73) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت