2 ـ إنها مجهورة (74) وهذا ما يجعلها أكثر وضوحا في السمع من غير ها وذلك راجع إلى النغمة الحنجرية المتولدة من اهتزاز (أو ذبذبة) الوترين الصوتيين (75) ولأن أقل الأصوات وضوحا في السمع هي الأصوات المهموسة (76)
3 ـ إنّ الصوت يمتد فيها ويطول لاتساع مخارجها (77)
4 ـ إنّ الرنين المتشكل في غرف الرنين المتمثلة بتجويف الحلق وتجويف الفم بسبب النغمات الحنجرية يجعلها أكثر وضوحا في السمع (78)
5 ـ إنّ الحركات وسيلة لوضوح الأصوات الصامتة التي يتعذر الكلام من دونها (79)
6 ـ أوضح ما يكون طول الصوت اللغوي في أصوات اللين (80) .
7 ـ (( إذا وقعت أصوات المد قبل الآخرفإنها تزداد طولا في حالة الوقف، لوقوعها قبل السكون العارض، مثلما تزداد طولا إذا وقعت بعد الهمزة ) ) (81) .
8 ـ إنّ صوت اللين يزداد طولا إذا وليه صوت مجهور (82) .
إنّ هذه الصفات كلها تجعل أصوات اللين أقوىصوات العربية وضوحا في السمع وهذا ما يجعلها متناسقة مع أصوات السورة التي يكثر فيها الأصوات السمعية (ل م ن ر) وكلاهما يتناسب مع الهدف العام للسورة وهو الاستعاذة التي تتضاد مع الوسوسة وتتغلب عليها بأن يخنس الشيطان حال ذكر الله الذي يفترض أن يكون عاليا مدويا مما يتناسب مع كثرة أصوات اللين والأصوات الرنانة.
وقعت أصوات اللين المتراكمة في السورة بين مجهور رنان (م، ن، ل، ر) وصوت مهموس ـ باستثناء عدد قليل جدا ـ ولهذا الأمر نكتة علمية تتبعها نكتة دلالية وهي أنّ الصوامت المجهورة الرنانة قد تفقد جهرها عند اتصالها بصوت مهموس (83) وحفاظا على جهر الأصوات الرنانة في هذه السورة فصل بينها والأصوات المهموسة بحروف اللين مما يعني أنّ جهر هذه الأصوات مقصود لذاته إذ أنه عامل من عوامل وضوحها السمعي مما يتناسب مع هدف السورة التي تتناسب فيها الأصوات والدلالة.
ومن مظاهر التراكم الصوتي في السورة تكرار المقطع القصير (ص ح ص) سواء أكانت الحركة فيه طويلة أم قصيرة، وهو مقطع مغلق، وشكل هذا المقطع نسبة عالية فيها غير أنّ الملفت للانتباه أن هذا المقطع تكرر في كل من الوسواس ويوسوس وتكراره هنا يدل على تكرار عودة الشيطان ووسوسته فالوسوسة بين ظهور واختفاء ولهذا وجد هذا المقطع في الخناس غير أنّ هذا المقطع لم يتكرر في الخناس وتكرر في الوسوسة
وإن دل هذا فإنما يدل على أنّ الشيطان قليل الخنوس مضطر له منكب على عمله ومخلصفيه فهو يعود له تارة بعد تارة. غير أن هذا المقطع شكل جزءا مهما من كلمة الناس التي تكررت في السورة تكرارا واضحا وقد شكل هذا تناسبا صوتيا في السورة غير انه ذو دلالة عميقة إذإن القرآن استخدم كلمة الناس (183) مرة لم يربط فيها أكثر الناس بالإيمانوإنما قال عنهم: (( أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ) ) (البقرة 243) , و (( لَا يَعْلَمُونَ ) ) (الأعراف 187) (يوسف 21) (يوسف 40) (يوسف 68) , (84) و (( لَفَاسِقُونَ ) ) (المائدة 49) و (( أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) ) (يونس 44) و (( ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ ) ) (غافر: 59) (هود 17) (الرعد1)
وإذا كان أكثر الناس لايؤمنون بشهادة الله فان قليلا منهم مؤمنون وعلى وفق هذا يفهم قوله تعالى: (( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ(البقرة 13) فالناس في هذه الآية محددة بعدد معين عبر المشركون عنه بالسفهاء وهو القليل الذي نتحدث عنه وقال المفسرون (( والمعنى إذا قيل لهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء من عند الله كما آمن به الناس يعني المؤمنين حقا لان الألف واللام ليسا فيه للاستغراق بل دخلا للعهد فكأنه قيل: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم باليقين / والتصديق بالله ونبيه - صلى عليه وآله - وبما جاء به من عند الله ) ) (85) وعلى معنى البعضية يفهم قوله تعالى: (( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ ) ) (البقرة 207) وقوله تعالى: (( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ) ) (آل عمران 68) وقوله تعالى: (( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) ): (النساء:54) .
إذن أكثر الناس لايؤمنون لايشكرون لا يعلمون وأبوا إلا كفورا وهم وقود النار، وبعد هذا كله لا يحق لنا التساؤل عن علاقة الناس بالشيطان فهي واضحة جدا. وليس هذا حسب وإنما من الناس