من ذلك تفاصيل القضاء والقدر وكنه الله وصفاته وكيفيات ذلك فاضطربت افكارهم وتفرقت بهم السبل عن الجادة والصراط المستقيم فمنهم من غلا في نفي ذلك زعما منه انه سلك مسلك العدل والتنزيه لله عن الظلم والجور وعارضوا بذلك نصوص الإثبات للقضاء والقدر ومنهم من غلا في الإثبات حتى سلب المكلفين اختيارهم وأعمالهم زعما منهم أن نصوص عموم مشيئة الله واقتداره تنافي ثبوت الاختيار والكسب للمكلفين فعارضوا بذلك الحس وأدلة الشرع والعقل ولم يكن - من اقتحم باب البحث في كنه الله وكيفيات صفاته فغلوا في ذلك نفيا - أو إثباتا بأهدى سبيلا من هؤلاء بل وقع الجميع في حيرة ومتاهات لا نجاة لهم منها إلا بمعرفتهم قدر أنفسهم والحدود التي يجب إن تنتهي إليها أفكارهم ويعلمون أنهم لم يؤتوا من العلم إلا قليلا ويلتزموا بما جاء في شريعة الله فما تبين من ذلك وجب اعتقاده وما لم يتبين من التفاصيل والكيفيات وجب التسليم له والقول بما قال به الراسخون في العلم: ( آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) . وحرم الخوض فيه لقوله تعالى: ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا ً) .