واستهوى الشيطان من هؤلاء المغرورين طائفة أخرى فزين لها أن تسن قوانين من عند أنفسهم لتتحاكم إليها وتفصل بها في خصوماته وسول لها أن تضع قواعد بمحض تفكيرها وهواها تنظم بها اقتصادها وسائر معاملاتها محادة لكتاب الله وسنة رسوله ( وانتقاصا لتشريعهما وزعما منها أن تشريع الله لا يصلح للتطبيق والعمل به في عهدهم ولا يكفل لهم مصالحهم ولا يعالج ما جد من مشاكلهم حيث اختلفت الظروف والأحوال عما كانت عليه أيام نزول الوحي واتسع نطاق المعاملات وكثرت المشكلات فلا بد لتنظيم المعاملات والفصل في الخصومات من قواعد وقوانين جديدة يضعها المفكرون من أهل العصر الواقفون على أحوال أهله المطلعون على المشاكل العارفون بأسبابها وطرق حلها لترتكز على واقع الحياة وتتناسب مع أحوال الناس وظروفهم الحاضرة ومع مستوى ثقافتهم وحضارتهم الراهنة .
فهؤلاء لم يقدروا عقولهم قدرها ولم ينزلوها منزلتها ولم يقدروا الله حق قدره ولم يعرفوا حقيقة شرعه ولا طريق تطبيق منهجه وأحكامه ولم يعلموا أن الله قد أحاط بكل شيء علما فعلم ما كان وما سيكون من اختلاف الأحوال وكثرة المشاكل وأنه أنزل شريعة عامة شاملة وقواعد كلية محكمة وقدرها بكامل علمه وبالغ حكمته فأحسن تقديرها ، جعلها صالحة لكل زمان ومكان فمهما اختلف الطبائع والحضارات وتباينتا الظروف والأحوال فهي صالحة لتنظيم معاملات العباد وتبادل المنافع بينهم والفصل في خصوماتهم وحل مشاكلهم وصلاح جميع شؤونهم في عبادتهم ومعاملاتهم .