الصفحة 478 من 838

قالوا: استثنى من الخلود في الآيتين بقوله في الآية الأولى: ( إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ ) ولم يأت بعد الاستثنائين ما يدل على عدم الانقطاع وانتهاء العذاب كما جاء عقب الاستثناء من الخلود في نعيم الجنة فإن الآية ختمت بقوله: ( عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ) وهو دال على دوام النعيم واستمراره فكان قرينه على أن الاستثناء الذي قبله لا يراد به الإخراج إنما يراد به إثبات كمال الاختيار .

واستدلوا أيضا بقوله تعالى: (لابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا) فجعل اللبث في النار مدة محدودة فدل على انتهاء العذاب واستدلوا أيضا بأن النار موجب غضبه والجنة موجب رحمته وقد روى البخاري في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لما قضى الله الخلق كتب كتابا فهو عنده فوق العرش إن رحمتي سبقت غضبي"وفي رواية:"تغلب غضبي".

قالوا: فلو بقي الكفار في النار ولم تفن النار لكان غضبه قد سبق رحمته وفي هذا خلف لخبر الصادق صلى الله عليه وسلم عن ربه وخلف خبره مستحيل .

قالوا وما ورد من النصوص الدالة على خلود الكفار فيها أبدا وعدم خروجهم منها فلا نزاع فيه لكنه يقتضي البقاء في العذاب ما دامت النار باقية وإنما يخرج منها في حال بقائها أهل التوحيد وهناك فرق بين من يخرج من الحبس وهو حبس قائم وبين من ينهدم حبسه وينقض بناؤه فيبطل حبسه وينتهي سجنه بانتقاض البناء وقد يناقش هذا بأنه وإن صلح جوابا عند أدلة الخلود فلا يصح جوابا عن النصوص الصريحة في أن عذابها مقيم وأنه كان غراما وأن النار كلما خبت زادها الله سعيرا وأنهم لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف بل يزيدهم الله عذابا وأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها ليذوقوا العذاب .

اللهم إلا أن يقال: إن الاستثناء بالمشيئة في الآيتين السابقتين مسلط على جميع النصوص التي دلت على دوام العذاب واستمراره وعلى كل حال فالموضوع من شؤون الله فليترك إلى الله سبحانه . والله اعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت