…إن ما شاهدناه في ماضينا من الكائنات ، وما نشاهده منها في حاضرنا ممكن: أي جائز الوجود ، والعدم: وذلك لأنا نراه يتحول من عدم إلي وجود ، ومن وجود إلي عدم ، وهذا التغير والتحول دليل إمكانه ، إذ لو كان واجبًا لما سبق وجوده العدم ، ولقما لحقه فناء ، ولو كان مستحيلًا لما قبل الوجود لأن المستحيل لذاته لا يوجد ، وحيث إننا شاهدناه موجودًا بعد عدم ثبت أنه ممكن.
المسألة الثانية
الممكن محتاج إلي موجد ومؤثر
…وحيث ثبت أن العالم ممكن ، والممكن ما استوى طرفاه - الوجود والعدم - بالنسبة إلي ذاته ، فوجوده ليس من ذاته ، وعدمه بعد وجوده ليس من ذاته ، إذن لابد له من سبب يرجح وجوده على العدم ، إذ لو وجد بدون سبب خارج عن ذاته وحقيقته للزم ترجيح أحد المتساويين على الآخر بلا مرجح ، وهو باطل: ولو أوجد الممكن نفسه للزم من ذلك أن يكون متقدمًا على نفسه باعتباره خالقًا لها ، ومتأخرًا على نفسه باعتباره مخلوقًا لها ، وتقدم الشيء على نفسه وتأخره عنها محال بالضرورة لما فيه من التناقض الواضح ، فثبت أن الممكن لا بد له من موجد غير ذاته وحقيقته ، يوجده ويدبر شؤونه في كل أحواله ، هذا المغاير: إما المستحيل ، وإما الواجب ، لا جائز أن يكون موجده هو المستحيل ،لأن المستحيل غير موجود فلا يؤثر ولأن فاقد الشيء لا يعطيه. فثبت أن موجده هو الواجب ، وهو الله - تعالى.
…وقد أرشدنا الله - تعالى - إلي ذلك في كثير من آيات القرآن الكريم.
قال تعالى: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) (الطور:35)
…فقد أنكر - سبحانه - أن يكونوا قد خلقوا بلا خالق ، وأن يكونوا قد خلقوا أنفسهم ، فإذن لا بد من خالق موجود مغاير لهم وهو الله - تعالى .
…ومن ذلك يتضح اتفاق الفطرة ، والعقل السليم والسمع على أن العالم محتاج إلي صانع ، ومستند إلي موجد أوجده.
المسالة الثالثة
في إثبات وجوب الوجود لله - سبحانه وتعالى