ومنها قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ * أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ * نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ * عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لا تَعْلَمُونَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلا تَذَكَّرُونَ* أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ * لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ)
فهذه الآيات ، وإن ذكرت لتنزيه الله - تعالى - وتقديسه عما ظنه به منكرو البعث ، وسيقت لإثبات قدرته على المعاد . كما يرشد إليه ما قبلها من الآيات ، فهى دليل - أيضًا - على وجوده - تعالى - ولا يعقل ذلك إلا إذا كان واجب الوجود.
فمن نظر إلي ما ترشد إليه هذه الآيات ، ونحوها من سنن الله في العالم نظرًا ثاقبًا ، وفكر في عجائب خلقها ، وحسن تنسيقها ، وشدة أسرها تفكيرًا عميقًا ، وبحث في أحكامها ، وبديع صنعها بحثًا بريئًا من الهوى ، والحمية الجاهلية ، وأنصف مناظره من نفسه ، فلم يمنعه من فهم ما عرض عليه من الق ، والإذعان له كبر يرديه ، ولا عناد يطغيه ، واتضح له طريق الهدى . واضطره ذلك أن يستيقن النتيجة ، ويؤمن من أعماق قلبه ، بأن للعالم ربًا خلاقًا فاعلًا مختارًا حكيمًا في تقديره ، وتدبيره أحاط بكل شيء علمًا ، وهو على كل شيء قدير.
ومع قيام الدليل ، ووضوح السبيل ، تعامى فرعون موسى عن الحق ، وتجاهل ما استيقنته نفسه ، وأنكر بلسانه ما شهدت به الفطرة ، دل عليه العقل من وجود واجب الوجود ، فأقام موسى عليه الحجة ، بدلالة الأثر على المؤثر ، والصنعة على الصانع ، ووجود العالم ، وعظم خلقه على وجود الخالق ، وعظيم قدرته ، وسعى علمه ، وكمال حكمته ، فغلبه بحجته .