الصفحة 56 من 838

قلت: ومن أجمل ما قرأت في هذا الخصوص ، ما كتبه جمال الدين القاسمي في كتابه القيم ( قواعد التحديث ) ، قال رحمه الله:

اعلم: أن نتائج الأفكار لا تقف عند حدٍ وتصرفات الأنظار لا تنتهي إلى غاية ، بل لكل عالم ومتعلم منها حظ يحرزه في وقته المقدر له وليس لأحد أن يزاحمه فيه لأن العالم المعنوي واسع كالبحر الزاخر والفيض الإلهي ، ليس له انقطاع ولا آخر والعلوم منح إلهية ومواهب صمدانية ، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ، ما لم يدخر لكثير من المتقدمين فلا تغتر بقول القائل:"ما ترك الأول للآخر !"بل القول الصحيح الظاهر:"كم ترك الأول للآخر"، فإنما يستجاد الشيء ويسترذل ، لجودته ورداءته في ذاته ، لا لقدمه وحدوثه . ويقال:"ليس كلمة أضر بالعلم من قولهم: ما ترك الأول شيئًا"لأنه يقطع الآمال عن العلم ويحمل على التقاعد عن التعلم فيقتصر الآخر على ما قدم الأول من الظاهر وهو خطر عظيم وقول سقيم فالأوائل وإن فازوا باستخراج الأصول وتمهيدها فالأواخر فازوا بتفريغ الأصول وتشييدها .

وقال ابن عبد ربه في العقد الفريد:"إني رأيت آخر كل طبقة واضعي كل حكمة ومؤلفي كل أدب ، أهذب لفظًا وأسهل لغة وأحكم مذهبًا وأوضح طريقة من الأول ، لأنه ناقد متعقب والأول بادئ متقدم".

المبحث الخامس

مذهبه وفقهه وتضلعه في أصول الفقه

ــــــ

مذهبه وفقهه:

لعل من نافلة القول ومكرور الكلام أن الشيخ عبد الرزاق عفيفي - يرحمه الله - كان إمامًا متفقًا على إمامته وجمعه على جهة التمكن بين علمي الحديث والفقه .

وكان مالكي المذهب وكان يتمثل بقول الشاعر الذي كان يتمثل به مالك رحمه الله:

وخير أمور الدنيا ما كان سنة……وشر الأمور المحدثات البدائع

لكن من المؤكد أن الشيخ - رحمه الله - وهو صاحب العقل الراجح والفكر المستنير لم يكن يتعصب للمذهب المالكي ولا لغيره . بل كان يكره التعصب والهوى ولا ينتصر لغير الدليل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت