وتقدير المعنى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ ) على السماء ، أو"في"على حقيقتها ، والسماء معناها العلو ، وتقدير المعنى"أمنتم من في العلو ..."لا يجوز في معنى هذا النص إلا هذان الوجهان ، ومنها التصريح بأنه مستو على العرش خاصة مع التعدية بعلى وذكر"ثم"في الأكثر ،وهى دالة على الترتيب والمهلة فلا يتأتى مع ذلك تأويل استوائه على العرض بالقدرة أو الاستيلاء عليه ، ومنها التصريح بمشروعية رفع الأيدى إلي السماء في الدعاء فقد رفع النبى ( يديه إلي السماء وهو يدعو في الاستسقاء وغيره وثبت عنه أنه قال: إن الله يستحى من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرًا"أخرجه الحاكم وغيره ) ."
ومنها أشار ( إشارة حسية إلي جهة السماء وهو يخطب الناس في حجة الوداع يوم عيد الأضحى حينما قال في خطبته:"أنتم مسؤولون عنى ، فماذا أنتم قائلون". قالوا: نشهد أنك قد بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلي السماء ، مشيرًا بذلك إلي أن الله فوقها وفوق كل شيء ومنها سؤاله الجارية بلفظ صريح في ذلك حيث قال لها:"أين الله ؟"وشهادته لها بالإيمان حينما أجابته بأن الله في السماء وشهدت له بالرسالة ، فقال لسيدها:"أعتقها فإنها مؤمنة"، فهذا السؤال والإقرار والحكم بإيمان الجارية منه ( وهو أعلم الخلق بربه ، وأنصحهم لأمته ، وأفصحهم بانًا عنه للمعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلًا بوجه من الوجوه ، دليل على أن الله فوق السماء وأنه فوق كل شيء بنفسه والأدلة المتعلقة بعلو الله على خلقه كثيرة متنوعة يؤيد بعضها بعضًا ، فمن رام أن يتأولها فقد رام باطلًا ، ومن سلك طريق التأويل لهذه النصوص فتح على نفسه باب شر لا يمكنه إغلاقه فإنه يسلط على نفسه بذلك الباطنية الذين يتأولون نصوص الصلاة والزكاة والصيام وسائر فرائض الإسلام ، وبهذا يعود الشرع كله مؤولًا.