تعوّد النّاس أن يظنّوا بالله (وبمن يولّيهم الله أمرهم) الظّنون ويتوجسّوا الشرّ وسوسةً من الشيطان وتسويلًا من النّفس الأمّارة بالسّوء قال الله تعالى: {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة: 268] . وما أبرّئ نفسي؛ فمع إدراكي لهذه المذمّة وحذري وتحذيري من الوقوع فيها وحولها، وهَجْر مجالس السّمر بعد أن نبّهني أخي صالح (مدّ الله في عمره على طاعة وخدمة دينه) إلى أنّ النّاس في أكثر مجالسهم ينزعون إلى رسم الحياة بمداد أسودٍ بعد أن التقطوا العدوى من الصحفيّين فلا يقتاتون إلا على أخبار السّوء المبنيّة على الظّنّ والمبالغة والإشاعات مخالفةً لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] وموافقةً لأهل السّوء من قبلهم ممن قال الله تعالى فيهم: {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ} [النساء: 83] ؛ فخصّصتُ بين المغرب والعشاء للرّباط في المسجد، ولم أزُرْ ولم أقْبَل زيارة أحد ولا الاتصال بعد العشاء منذ أكثر من رُبْع قرن، ومع ثقتي بالله وتوفيقه لهذه الدّولة المباركة فقد خِفْتُ على مستقبل الدّعوة الرّسميّة بعد ابتعادها عن إشراف الشيخ ابن باز - رحمه الله - من جهة ورجوت الله - من جهة أخرى - أن يجعل العاقبة خيرًا كما تعوّدنا من نتائج أقداره لهذه البلاد والدّولة المباركة، وكما يحدث لمن رضي بقسمة الله وتفاءل الفأل الحسن.
وكنت على وشك الوصول إلى سنِّ التّقاعد دون محاولة التّمديد، مع العزم على استمرار العمل في الدّعوة إلى الله تطوّعًا إذ لا يليق بمن اختاره الله لوظيفة خَيْرِ خلْقِهِ من الملائكة والنّاس أن يتخلّى عنها ولو كان مثلي لا يرى في نفسه الكفاءة لأدائها حقّ أدائها.