فهرس الكتاب
وقال أحمد ، رحمه الله: كانت أمي تلبسني اللباس ، وتوقظني وتحمي لي الماء قبل صلاة الفجر ، وأنا ابن عشر سنوات ، ثم كانت تتخمر وتتغطى بحجابها ،وتذهب معه إلى المسجد ؛ لأن المسجد بعيد ، ولأن الطريق مظلمة .
فانظر إلى هذه المرأة الصالحة !
عاش في هذا الجو ، وعاش في هذا البيت ،وكل همه: أن يعبد الله بكلام الله ، وان يكون عبدا خالصا لله .
قال: فأعطتني متاع السفر .
أتدرون ماذا أعطته من الزاد وكم أعطته من الألوف ؟ وكم أعطته من الدراهم والدنانير ؟
لقد صنعت له ما يقارب عشرة من الأرغفة من الشعير ، ووضعتها في حقيبة من قماش معه ، ووضعت معها صرة ملح!!
وقالت: يا بني ، إن الله إذا استودع شيئا لا يضيعه أبدا ، فأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .
فذهب من عندها من بغداد ، من عاصمة الدنيا ، من دار السلام .
ل ... ماذا ذهب ؟ اذهب للسياحة كما يفعل اللاهون اللاغون اللعابون ؟
أم ذهب إلى التسكع كما يذهب السادرون المخمورون المسكورون ؟
أم ذهب إلى ضياع الأوقات والتدحرج على الثلج كما يذهب الذين رفعت عنهم أقلام التكليف ؟
لا ، بل ذهب ليبحث عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ذهب إلى مكة والمدينة .
من زار بابك لم تبرح جوارحه *** تروي أحاديث ما أوليت من منن
فالعين عن قرة والكف عن صلة *** والقلب عن جابر والسمع عن حسن
فذهب ، رحمه الله ، وقال مضيت من بغداد على رجلي إلى مكة ، فضعت في الطريق ثلاث مرات ، فكنت كلما ضعت استغفرت الله ، ودعوت الله .
قال: فوالله ما انتهيت من كلامي ، إلا وبدلني الله تعالى على الطريق .
من هو ملجأ الخائفين ؟ انه الله .
من هو منقذ العارفين ؟ انه الله .
فكان كلما ضاع في الصحراء ، التجأ إلى الله فليس عنده علامات ، ولا بوصلات ولا خطوط صحراء ، بل هي ارض مقفرة يضيع فيها الذكي والبليد.