فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 65

وقال أحمد ، رحمه الله: كانت أمي تلبسني اللباس ، وتوقظني وتحمي لي الماء قبل صلاة الفجر ، وأنا ابن عشر سنوات ، ثم كانت تتخمر وتتغطى بحجابها ،وتذهب معه إلى المسجد ؛ لأن المسجد بعيد ، ولأن الطريق مظلمة .

فانظر إلى هذه المرأة الصالحة !

عاش في هذا الجو ، وعاش في هذا البيت ،وكل همه: أن يعبد الله بكلام الله ، وان يكون عبدا خالصا لله .

قال: فأعطتني متاع السفر .

أتدرون ماذا أعطته من الزاد وكم أعطته من الألوف ؟ وكم أعطته من الدراهم والدنانير ؟

لقد صنعت له ما يقارب عشرة من الأرغفة من الشعير ، ووضعتها في حقيبة من قماش معه ، ووضعت معها صرة ملح!!

وقالت: يا بني ، إن الله إذا استودع شيئا لا يضيعه أبدا ، فأستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .

فذهب من عندها من بغداد ، من عاصمة الدنيا ، من دار السلام .

ل ... ماذا ذهب ؟ اذهب للسياحة كما يفعل اللاهون اللاغون اللعابون ؟

أم ذهب إلى التسكع كما يذهب السادرون المخمورون المسكورون ؟

أم ذهب إلى ضياع الأوقات والتدحرج على الثلج كما يذهب الذين رفعت عنهم أقلام التكليف ؟

لا ، بل ذهب ليبحث عن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ذهب إلى مكة والمدينة .

من زار بابك لم تبرح جوارحه *** تروي أحاديث ما أوليت من منن

فالعين عن قرة والكف عن صلة *** والقلب عن جابر والسمع عن حسن

فذهب ، رحمه الله ، وقال مضيت من بغداد على رجلي إلى مكة ، فضعت في الطريق ثلاث مرات ، فكنت كلما ضعت استغفرت الله ، ودعوت الله .

قال: فوالله ما انتهيت من كلامي ، إلا وبدلني الله تعالى على الطريق .

من هو ملجأ الخائفين ؟ انه الله .

من هو منقذ العارفين ؟ انه الله .

فكان كلما ضاع في الصحراء ، التجأ إلى الله فليس عنده علامات ، ولا بوصلات ولا خطوط صحراء ، بل هي ارض مقفرة يضيع فيها الذكي والبليد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت