فهرس الكتاب
أما تواضعه: فمنقطع النظير ، وطالب العلم ، والمسلم ، والعالم والمسؤول ، إذا لم يكن متواضعا لله ، فلا تنظر إليه ؛ فإن الله قد مقته من فوق سبع سماوات ، وقد باء بخزي من الله ، إن لم يتب .
كان ، رحمه الله ، متواضعا جد التواضع.
قال الحفاظ: رأينا الإمام أحمد نزل إلى سوق بغداد ، فاشترى حزمة من الحطب ، وجعلها على كتفه ، فلما عرفه الناس ، ترك أهل المتاجر متاجرهم ، وأهل الدكاكين دكاكينهم ، وتوقف المارة في طرقهم ، يسلمون عليه ، ويقولون: نحمل عنك الحطب ، فهز يده ،واحمر وجهه ،ودمعت عيناه وقال: نحن قوم مساكين ، لولا ستر الله لافتضحنا ، نحن قوم مساكين لولا ستر الله لافتضحنا .
والعجيب في الإسلام: أن العبد كلما ازداد تواضعا لله ، كلما زاده الله رفعة، وكلما ارتفع كلما زاده الله حقارة ومهانة ، ومذلة جزاء وفاقا .
أتى رجل ليمدح الإمام أحمد ، فقال له الإمام أحمد: أشهد الله إني أمقتك في هذا الكلام ،والله ، لو علمت ما عندي من الذنوب والخطايا لحثوت على رأسي بالتراب ، انظر إلى الإمام ! انظر إلى العابد !
جاءه قوم فقالوا: يا أحمد ، يا ابن حنبل ،إن الله قد نشر لك الثناء الحسن ، والله أنا لنسمع الثناء عليك في كل مكان ،حتى في الثغور مع الجيش ،وهم يقاتلون العدو ، ويدعون لك وقت ما يرمون بالمنجنيق ، فدمعت عيناه ، وقال: أظن انه استدراج من الله عز وجل ، فقيل له: بل هي عاجل بشرى المؤمن .
أما زهده في الدنيا ، فقد رفعه عن كثير ممن عاش معه ، وأتته الدنيا راغمة إلى باب بيته فأباها .
طلب من أن يتولى القضاء فامتنع وقال: إن تركتموني ، وإلا فوالله لأهاجر إلى مكان لا تجدوني فيه أبدا .
كان دخله في الشهر سبعة عشر درهما فيقول: هذه تكفينا .
يقول أبناؤه: يا أبتاه، هذه لا تكفينا .
فيقول: إنما هي أيام قلائل ، وطعام دون طعام ، ولبا دون لبا حتى نلقى الله الواحد الأحد .