1592 حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ليْلى عَنْ عَليٍّ رَضِي الله عَنْه قَال أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلال البُدْنِ التِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا (1)
(1) قال رحمه الله (باب جلال البدن) الجلال: ما تجلل به البعير أي تغطى به، يغطونها إما عن الشمس أو عن البرد، ويفتحون للسنام، حتى يبقى الجلال لا يسقط؛ لأنهم لو جلوها بدون أن يفتحوا للسنام سقط، لكن السنام يمنعها، فكانوا يجلونها، هذا الجلال إذا ذُبحت البدنة فإنه يُتصدق به تبعًا لها، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم علي بن أبي طالب أن يتصدق بجلال الإبل التي أهداها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وفيه توقي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما الدم لئلا يتلطخ به الجلال، لاحتمالين:
الاحتمال الأول: إنه يخشى من الدم المسفوح، والدم المسفوح نجس لا إشكال فيه لقول الله تبارك وتعالى: قُل لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ ، هذا قوله عز وجل: لا أَجِدُ فِى مَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أي هذا المطعوم نجس، الدم المسفوح: هو الذي يسيل عند النحر أو والذبح، فيُحتمل أن الجلال الذي جلل به عبدالله بن عمر رضي الله عنهما بدنته واسع يصل إلى حد المنحر.
ويحتمل إنه رضي الله عنه أراد أن لا يتلوث الجلال بالدم الطاهر؛ لأن الدم الذي يبقى بعد زهوق النفس في كل مزكى أو منحور طاهر، انتبه لهذا، حتى لو أنك لما طبخته ظهر أن الدم في القدر فإنه طاهر لماذا؟ لأن المزكي أو المنحورة لما تفرغ الدم صار الباقي في اللحم طاهر حلال حتى الكبد ، وحتى دم القلب حلال، مع أن دم القلب كثير، ولكنه حلال طاهر.
وفيه، في أثر ابن عمر رضي الله عنهما دليل على أنه ينبغي للإنسان إذا أراد أن يتصدق بشيء أن يتصدق به نظيفًا غير ملطخ بشيء، لأن هذا أبلغ في الإخلاص.
أما حديث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: (أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ صَلى الله عَليْهِ وَسَلمَ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلال البُدْنِ التِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا) هو نحر رضي الله عنه كم؟ سبعة وثلاثين بدنة؛ لأن الذي أهداه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حجة الوداع مائة بعير، انتبه، مائة بعير؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أكرم الخلق، أهدى مائة بعير، وذبح ثلاثة وستين بيده الكريمة، نحر ثلاثة وستين بيده الكريمة، وأعطى علي بن أبي طالب وكله أن ينحر الباقي، كم الباقي؟ سبعة وثلاثين بدنة، قال أهل العلم رحمهم الله: في هذا إشارة أو موافقة بدون قصد لعمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فإن عمره كان ثلاثة وستين سنة، أمره أن يتصدق بجلالها وجلودها، أما الجلال فينفع ماذا يُتخذ؟ يُتخذ لباسًا، يُتخذ فِراشًا، ويُتخذ أكياسًا يحفظ بها الطعام، أو ما أشبه ذلك.
وأما الجلود فإنه ظاهر أيضًا إنه ينتفع به مدبوغة أو غير مدبوغة، وكان الناس في هذه البلاد قبل أن تنفتح علينا الصناعات المتنوعة، كانوا يخرزون النعل من جلود الإبل؛ لأنها قوية ، فلذلك كان يأمره أن يتصدق بالجلود، أرأيتم لو أن الإنسان لم يتصدق بالجلود ولكن تصدق باللحم، يجوز؟ نعم يجوز من باب أولى؛ لأن اللحم في الغالب أغلى عند الناس من الجلد.