الصفحة 113 من 678

ولاشك أن هاتين الآيتين تضمنت نوع عتاب من الله تعالى لبعض من ثقل عليهم الخروج في الجهاد، وهذا قطعًا لا يرد على عامة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين استجابوا لله ورسوله بالمسارعة في الخروج في سبيل الله، وهم غالب الصحابة وأكثرهم.

قال ابن كثير في تفسير الآية: «هذا شروع في عتاب من تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك» . (2)

قلت: ومعلوم أنه لم يتخلف عن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك أحد من أصحابه من غير أهل الأعذار، إلا ثلاثة نفر كما دل على ذلك حديث كعب بن مالك المشهور في الصحيحين (3) وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، ومع هذا فقد ثبت بنص كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، أن الله تاب على الجميع، وأنزل في توبته على سائر الصحابة وحيًا يتلى في كتابه وذلك في قوله تعالى: لقد تاب الله على النبي والمهاجرين

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) تفسير الطبري 6/372.

(2) تفسير ابن كثير 2/357.

(3) انظر: صحيح البخاري: (كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك) فتح الباري 8/113-116، ح4118، وصحيح مسلم: (كتاب التوبة، باب حديث توبة كعب وصاحبيه) 4/2120-2128، ح2769.

والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم % وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم. (1)

فتضمنت هذه الآيات إخبار الله تعالى عن توبته على المهاجرين والأنصار الذين اتبعوا الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، والتي تسمى غزوة العسرة فلم يتخلفوا عنه مع ما أصابهم فيها من الجهد والشدة والفقر، حتى جاء في بعض الروايات أن النفر منهم كانوا يتناولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا، ثم يشرب عليها حتى تأتي على آخرهم. (2)

كما تضمنت توبة الله على الثلاثة المخلفين (3) الذين تأخروا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة بعد هجر النبي صلى الله عليه وسلم لهم، وندمهم ندمًا

عظيمًا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة آيتا 117،118.

(2) انظر: تفسير الطبري 6/502، وتفسير البغوي 2/333.

(3) وصفوا بالمخلفين لأنهم خلفوا عن التوبة عندما جاءوا للنبي صلى الله عليه وسلم واعترفوا بذنوبهم فقال لهم قوموا حتى يقتضي الله فيكم، ثم أنزل الله توبتهم في الآيات المذكورة أعلاه، انظر تفسير الطبري 6/505.

فلم يبق بعد ذلك عذر لأحد في النيل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو غمزهم بشيء مما قد يقع منهم، بعد مغفرة الله لهم وتوبته عليهم، وثنائه عليهم الثناء العظيم في كتابه، وتزكية الرسول صلى الله عليه وسلم لهم في سنته -y- أجمعين.

والرافضة يدركون هذا وإنما يحملهم حقدهم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبغضهم لهم على تنقصهم وسبهم بغير حق، وغمط مناقبهم، وفضائلهم الثابتة في الكتاب والسنة، التي لا يجهلها أحد من الأمة.

ولهذا ذكر هذا الرافضي الآيات السابقة في حث الله تعالى الصحابة على الجهاد في سبيل الله، مستدلًا بها على ذمهم وتنقصهم، وأغفل ما جاء في سياق هذه الآيات وبعدها مباشرة، وهو قوله تعالى: {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا} (1) وذلك حجبًا منه لما تضمنته الآية من إثبات تلك المنقبة العظيمة لأبي بكر، وهي صحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وكذلك تجاهله الآيات الأخرى في السورة نفسها، المشتملة على ثناء الله تعالى على الصحابة كقوله تعالى: والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة التوبة آيه 40.

تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبدًا ذلك الفوز العظيم (1) وكالآيات المتقدمة في توبة الله تعالى عليهم، ومغفرته لهم، يحمله على ذلك ضغنه الكمين وحقده الدفين على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فعليه من الله ما يستحق.

وأما قوله: «إن الصحابة اختلفوا واقتتلوا ونتج عن ذلك حروب دامية تسببت في انتكاس المسلمين» .

فجوابه: أن اقتتال الصحابة إنما نشأ في عهد علي - رضي الله عنه - وقد كان علي طرفًا من أطرافه، فإذا كان لايرد في ذلك ذم على علي - رضي الله عنه - وهو إمام المسلمين والمسؤل عن سلامة الرعية فمن باب أولى أن لا يذم بذلك غيره من الصحابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت