فهرس الكتاب
وليس في الآية ما يدل على نفي أصل الخشوع من القلب، وهو الخشوع الواجب -كما ادعى هذا الرافضي الحاقد- بل وصف الله تعالى لهم بالإيمان في قوله: {ألم يأن للذين آمنوا} دليل على أن أصل الخشوع موجود، لكنه أراد أن ينقلهم إلى درجة أعلى منه، وذلك أن الخشوع منه ما هو واجب، ومنه ما هو مستحب.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فإن قيل فخشوع القلب لذكر الله وما نزل من الحق واجب، قيل: نعم، لكن الناس فيه على قسمين:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تفسير الطبري 11/681.
(2) تفسير ابن كثير 2/310.
مقتصد، وسابق، فالسابقون يختصون بالمستحبات، والمقتصدون الأبرار هم عموم المؤمنين المستحقين للجنة». (1)
وعلى هذا فالخطاب في الآية يكون في حق من لم يحقق تلك الدرجة العالية من الخشوع، دون من بلغها من الصحابة، يؤيد هذا ما
نقله الشوكاني عن الزجاج في سبب نزول الآية حيث قال: (نزلت في طائفة من المؤمنين حثوا على الرقة والخشوع، فأما من وصفهم الله بالرقة والخشوع فطبقة فوق هؤلاء) . (2)
وقد ثبتت هذه المنزلة العالية من الخشوع وكثرة البكاء لبعض الصحابة قبل نزول هذه الآية، ومن ذلك ما ثبت عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - من رواية عائشة -رضي الله عنها- في قصة جوار ابن الدّغنّة لأبي بكر في بداية البعثة وفيها: (... ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ فيتقصف(3) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - رجلًا بكّاءً لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجموع الفتاوى 7/29.
(2) فتح القدير للشوكاني 5/172.
(3) أي يزدحمون، النهاية لابن الأثير 4/73.
المشركين). (1)
وهذه الحادثة في بداية البعثة وهي قبل نزول الآية قطعًا، فإن الآية في سورة الحديد، وسورة الحديد مدنية.
وأما زعمه أن نزول الآية في الحث على الخشوع كان بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فهذا إن جاء في بعض الروايات فهو معارض بما جاء في غيرها.
فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: (إن الله استبطأ قلوب المؤمنين، فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة سنة من نزول القرآن) . (2)
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود - رضي الله عنه - (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآيه {ألم يأن للذين آمنوا..} إلا أربع سنين) . (3)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أخرجه البخاري في: (كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم )
فتح الباري 4/475-476، ح: 2297، وأخرجه أيضًا في: (كتاب الصلاة، باب المسجد يكون في الطريق) فتح الباري 1/563،564، ح476.
(2) ذكره البغوي في تفسيره 4/297، وابن كثير في تفسيره 4/310.
(3) أخرجه مسلم (كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا ...} ) 4/2319، ح3027.
ورواية ابن مسعود أصح من غيرها فإنها في صحيح مسلم، وهي دليل على أن عتاب الله لهم بالآية كان في بداية إسلامهم، خلافًا لما زعمه الرافضي أنه بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن.
وأما طعن الرافضي في الصحابة بزعمه أنه لم تخشع قلوب السابقين منهم فكيف بمن أتى بعدهم...!
فهذه دعوى باطلة وفرية ظاهرة، يردها ما ثبت في سيرة
الصحابة -y- من أخبار تدل على تحقيقهم أعلى مقامات الخشوع، وشدة خوفهم من الله وكثرة بكائهم من خشيته مما لاينكره إلا مكابر أو جاهل.
فمن ذلك ما رواه الشيخان من حديث أنس - رضي الله عنه - قال: (خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم لهم حنين...) . (1) وفي رواية مسلم (خنين)
والحنين هو: الصوت الذي يرتفع بالبكاء من الصدر، والخنين:
من الأنف (2) ، والمقصود شدة بكائهم من موعظة رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم) فتح الباري 8/280، ح4621، وصحيح مسلم (كتاب الفضائل، باب توقيره صلى الله عليه وسلم ..) 4/1832، ح2359.
(2) فتح الباري لابن حجر 8/281.
وفي رواية أخرى لمسلم: (فأكثر الناس البكاء، حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . (1)
وقد ثبت البكاء لبعض الصحابة، بل كان بعضهم معروفًا به
مما يدل على شدة خوفهم من الله وخشيتهم له ففي الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها- في أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس: (...فقلت يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق القلب إذا قرأ القرآن لايملك دمعه) .
وفي روايه: (إن أبابكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء) . (2)