الصفحة 135 من 678

وقتها، من قبل بعض الأمراء في عهد الدولة الأموية. وأنس - رضي الله عنه - كان من المعمرين ببركة دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث دعا له بطول العمر، فعن أنس قال: قالت أم سليم: خويدمك ألا تدعوا له؟ فقال: (اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له، فدعا لي بثلاث: فدفنت مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس وأرجو المغفرة) . (2)

ووفاة أنس - رضي الله عنه - كانت سنة ثلاث وتسعين (3) ، وكان قدومه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري 2/13.

(2) أخرجه البخاري في الأدب المفرد في (باب من دعا بطول العمر) الأدب المفرد مع شرحه فضل الله الصمد 2/106.

وقدصحح الحديث الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة 5/284، ح2241.

وروى الحديث من طريق أخرى البخاري في صحيحة (كتاب الدعوات، باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر...) فتح الباري 11/144، ورواه مسلم في (كتاب فضائل الصحابة، باب من فضل أنس) 4/1928 وليس في رواية الصحيحين (أطل حياته) .

(3) انظر البداية والنهاية لابن كثير 9/94، والإصابة لابن حجر 1/113.

إلى دمشق قبل وفاته بسنة في سنة اثنتين وتسعين.

قال ابن كثير روى عبدالرزاق بن عمر، عن إسماعيل قال: «قدم

أنس على الوليد في سنة اثنتين وتسعين». (1)

ومعلوم أنه في ذلك الوقت لم يكن بقي فيه من الصحابة إلا القليل، بل ذهب بعض العلماء إلى أن أنس بن مالك هو آخر من مات من الصحابة،ثم أبوالطفيل عامربن واثلة الليثي-رضي الله عنهما-. (2)

وعلى هذا فأي لوم على الصحابة في تغير الناس من بعدهم، ومن كان حيًا منهم فهو منكر لذلك، كما تقدم في الأثرين عن أنس - رضي الله عنه -.

على أن هذا التغيير الذي ذكره أنس لا يعم أمصار المسلمين كلها، وإنما كان في بعض الأمصار كالعراق والشام، دون بقية البلاد، يشهد لهذا ما رواه البخاري من حديث بشير بن يسار الأنصاري، أن أنس بن مالك قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ يوم عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال: (ماأنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف) . (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) البداية والنهاية 9/94.

(2) الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير ص160.

(3) رواه البخاري (كتاب الأذان، باب إثم من لم يتم الصفوف) فتح الباري 2/209، ح724.

وقد نبه على هذا الحافظ ابن حجر -رحمه الله- عند شرحه للأثرين السابقين لأنس، حيث قال: «إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال: (ما أنكرت شيئًا...) » (1) ، ثم ساق الأثر.

وأما قول الرافضي: إن أول من غير سنة النبي صلى الله عليه وسلم هو عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- مشيرًا لإتمام عثمان - رضي الله عنه - الصلاة في منى، وأن عائشة كانت تتم الصلاة في السفر.

فجوابه: أن عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- كانا مجتهدين، وقد اختلف العلماء في وجه اجتهادهما اختلافًا كبيرًا، وذكروا وجوهًا كثيرة في ذلك. (2) لكن الذي صوبه أكثر المحققين وقطعوا به، أنهما كانا يريان جواز القصر والإتمام، فأخذا بأحد الجائزين.

قال النووي: «اختلف العلماء في تأويلهما، فالصحيح الذي عليه المحققون:أنهما رأيا القصر جائزًا والإتمام جائزًا، فأخذا بأحد الجائزين،

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري 2/14.

(2) انظر شرح صحيح مسلم للنووي 5/195، والمفهم للقرطبي 2/327، وفتح الباري لابن حجر 2/570-571.

وهو الإتمام». (1)

وقال القرطبي: «اختلف في تأويل إتمام عائشة وعثمان في السفر على أقوال، وأولى ما قيل في ذلك أنهما تأولا: أن القصر رخصة غير واجبة، وأخذا بالأكمل، وما عدا هذا القول إما فاسد وإما بعيد» . (2) ثم ذكر بقية الأقوال ورد عليها.

وهذا الذي ذكره القرطبي هنا في سبب تأولهما فيه ترجيح الإتمام على القصر على اعتبار أن القصر رخصة، وأن الإتمام عزيمة ولذا قال: أخذا بالأكمل. بخلاف توجيه النووي فالظاهر منه أنه يستوى فيه الأمران وإنما أخذا بأحد الجائزين.

وقد فرق بعض المحققين بين سبب إتمام عثمان، وإتمام عائشة -رضي الله عنهما-.

كما ذهب إلى ذلك الحافظ ابن حجر حيث قال في شرح عبارة: (إن عائشة تأولت كما تأول عثمان) : «التشبيه بعثمان في الإتمام بتأويل، لا اتحاد تأويلهما، ويقويه أن الأسباب اختلفت في تأويل عثمان فتكاثرت، بخلاف تأويل عائشة» . (3)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) شرح صحيح مسلم 5/195.

(2) المفهم للقرطبي 2/327.

(3) فتح الباري لابن حجر 2/571.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت