الصفحة 136 من 678

قال بعد ذلك: «والمنقول أن سبب إتمام عثمان أنه كان يرى القصر مختصًا بمن كان شاخصًا سائرًا، وأما من أقام في مكة في أثناء سفره فله حكم المقيم فيتم، والحجة فيه ما رواه أحمد بإسناد حسن عن عباد بن عبدالله بن الزبير قال: لما قدم علينا معاوية حاجًا صلى بنا الظهر ركعتين بمكة، ثم انصرف إلى دار الندوة، فدخل عليه مروان وعمرو بن عثمان فقالا: لقد عبت أمر ابن عمك لأنه كان قد أتم الصلاة، قال: وكان عثمان حيث أتم الصلاة إذا قدم مكة صلى بها الظهر والعصر والعشاء أربعًا أربعًا، ثم إذا خرج إلى منى وعرفة قصر الصلاة، فإذا فرغ من الحج وأقام بمنى أتم الصلاة» . (1)

فيكون هذا الذي ذكره ابن حجر قولًا آخر في سبب إتمام عثمان - رضي الله عنه -.

ولهذا ذكر ابن حجر بعده القول المتقدم عن القرطبي، وعزاه إلى ابن بطال وقال: «وهذا رجحه جماعة من آخرهم القرطبي، لكن الوجه الذي قبله أولى لتصريح الراوي بالسبب» . (2)

وأما وجه اجتهاد عائشة -رضي الله عنها- فيقول ابن حجر فيه:«وأما عائشة فقد جاء عنها سبب الإتمام صريحًا، وهو فيما أخرجه

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري 2/571، والحديث رواه أحمد في المسند 4/94.

(2) فتح الباري لابن حجر 2/571.

البيهقي من طريق هشام بن عروة، عن أبيه: (أنها كانت تصلي في السفر أربعًا، فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: ابن اختى إنه لا يشق علي) . إسناده صحيح وهو دال على أنها تأولت أن القصر رخصة، وأن الإتمام لمن لا يشق عليه أفضل). (1)

قلت: وهذا موافق لما ذكره القرطبي سابقًا في سبب إتمامها -رضي الله عنها-.

هذا وقد ذكر بعض العلماء المحققين في: (باب الصحابة) في معرض ردهم على الرافضة أن الذي حمل عثمان - رضي الله عنه - على الإتمام في منى لما بلغه أن بعض الأعراب الذين كانوا شهدوا معه الصلاة في الأعوام الماضية ظنوا أنها ركعتان فأراد أن يعلمهم أنها أربع.

قال أبونعيم في: (كتاب الإمامة) : «وإن الذي حمل عثمان - رضي الله عنه - على الإتمام أنه بلغه أن قومًا من الأعراب ممن شهدوا معه الصلاة بمنى رجعوا إلى قومهم فقالوا: الصلاة ركعتان، كذلك صليناها مع أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله عنه - بمنى، فلأجل ذلك صلى أربعًا ليعلمهم ما يستنوا به للخلاف والاشتباه» . (2)

وقال ابن العربي في العواصم في معرض رده على الشبه التي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) المصدر نفسه.

(2) الإمامة والرد على الرافضة ص312.

أُثيرت ضد عثمان - رضي الله عنه: «وأما ترك القصر: فاجتهاد إذ سمع أن الناس افتتنوا بالقصر، وفعلوا ذلك في منازلهم، فرأى أن السنة ربما أدت إلى إسقاط الفريضة، فتركها مصلحة خوف الذريعة، مع أن جماعة من العلماء قالوا: إن المسافر مخير بين القصر والإتمام» . (1)

قلت: ويؤيد هذا أن عثمان - رضي الله عنه - ما كان يقصر الصلاة في بداية عهده، بل بقي سبع سنين من خلافته وهو يقصر الصلاة بمنى، ثم أتم بعد ذلك، فهو دليل أنه ما فعل ذلك إلا لأمر طرأ.

روى ابن أبي شيبة عن عمران بن حصين أنه قال: (حججت مع عثمان سبع سنين من إمارته لا يصلي إلا ركعتين، ثم صلى بمنى أربعًا) . (2)

وعلى كل حال فكل من عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- كانا مجتهدين فيما ذهبا إليه أيًا كان السبب الحامل لهما على ذلك.

وإذا ما تقرر هذا اندحضت دعوى الرافضي في النيل منهما، وانكشفت شبهته، وبطل افتراؤه وظلمه.

وزيادة على هذا أذكر هنا بعض الأوجه الأخرى المؤكدة لما تقدم من براءة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وأم المؤمنين ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) العواصم من القواصم ص90.

(2) المصنف لابن أبي شيبة 2/207.

عائشة -رضي الله عنهما- مما رماهما به الرافضي.

الوجه الأول: أنهما مجتهدان، والمجتهد معذور، بل مأجور على كل حال لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) . (1)

وهذا أمر مقرر عند أهل السنة لا يختلفون فيه، وإنما يخالف فيه أهل البدع.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: «ولا ريب أن الخطأ في دقيق العلم مغفور للأمة، وإن كان ذلك في المسائل العلمية، ولولا ذلك لهلك أكثر فضلاء الأمة» . (2)

ويقول أيضًا: «هذا قول السلف وأئمة الفتوى كأبي حنيفة والشافعي، والثوري، وداود بن على وغيرهم، لايؤثمون مجتهدًا مخطئًا في المسائل الأصولية ولا في الفرعية. كما ذكر ذلك عنهم ابن حزم وغيره، وقالوا: هذا هو القول المعروف عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان، وأئمة الدين، أنهم لايكفرون ولا يفسقون ولا يؤثمون أحدًا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت