الصفحة 138 من 678

وأما بعضها كفتياه بأن المتوفى عنها تعتد أبعد الأجلين، وأن المفوضة لامهر لها إذا مات الزوج، وقوله إن المخيرة إذا اختارت زوجها فهي واحدة، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه ولم يكن ذلك طلاقًا، فهذه لم يعرف إلا بقاؤه عليها حتى مات، وكذلك مسائل كثيرة ذكرها الشافعي في كتاب (اختلاف علي وعبدالله) ...». (1)

قلت: وأعظم من هذا ما حصل في عهد علي - رضي الله عنه - من الاقتتال العظيم بين المسلمين الذي كان أحد أطرافه حتى قتل من قتل من المسلمين، فإن كان علي - رضي الله عنه - معذورًا في هذا وفي تلك المسائل التي خالف فيها، وهي كثيرة كما ذكر شيخ الإسلام، فعثمان أولى بالعذر في مسألة واحدة وافقه عليها من وافقه من الصحابة، وعذره الباقون، هذا مع ما امتاز به عهده من عصمة دماء المسلمين، حتى إنه

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منهاج السنة 6/28-29.

لم أطلت الفتنة برأسها وحاصره الثوار في البيت آثر المسلمين على نفسه، ونهى من أراد نصرته من الصحابة عن القتال حتى قتل شهيدًا - رضي الله عنه -، بخلاف علي - رضي الله عنه - الذي قاتل ورغّب في القتال معه، وهو في كل ذلك معذور بل مأجور - رضي الله عنه - وأرضاه. وإنما أردت دحض شبهة هذا الرافضي الحاقد بما لا يستطيع رده ولا دفعه.

وبهذا تظهر براءة عثمان وعائشة -رضي الله عنهما- مما رماهما به الرافضي بسبب الاجتهاد في مسألة القصر.

فلله الحمد والفضل.

الصحابة يشهدون على أنفسهم

طعن الرافضي على الصحابة بقول أنس (فلم نصبر) والرد عليه

قال الرافضي ص132 تحت عنوان: (الصحابة يشهدون على أنفسهم) .

«روى أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للأنصار: إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس: فلم نصبر.

وعن العلاء بن المسيب عن أبيه قال: لقيت البراء بن عازب -رضي الله عنهما- فقلت طوبى لك صحبت النبي صلى الله عليه وسلم وبايعته تحت الشجرة فقال: يا ابن أخي إنك لا تدري ما أحدثنا بعده.

وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين، الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحًا قريبًا، يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم وتنبأ به من أن أصحابه سيحدثون بعده، ويرتدون على أدبارهم...»

قلت: إن من أغرب الغريب أن يطعن هذا الرافضي الحاقد، فيمن يعترف لهم بفضل الصحبة والسبق للإسلام، مضمنًا كلامه في

الطعن عليهم، ما دلت عليه الآية الكريمة في الثناء على أولئك السابقين

الأولين وهي قوله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا} (1) وهو بهذا يؤكد أنه أثناء طعنه في الصحابة غير غافل عن هذه الآية وغيرها من الآيات المتضمنة ثناء الله العظيم على هؤلاء الصحابة، وإخبار الله أنه رضي عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار.

وهذا تكذيب منه صريح لنص القرآن، ورد قبيح لأخباره، ومشاقة ومعاندة لأحكامه، وهذا والله هو الكفر الصريح الذي لا يشك فيه أحد من أهل العلم، خصوصًا إذا ما اقترن الرد لأحكام القرآن بشيء من السخرية والاستهزاء، وذلك في قول الرافضي: «وإذا كان هذا الصحابي من السابقين الأولين الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ورضي الله عنهم، وعلم ما في قلوبهم فأثابهم فتحًا قريبًا يشهد على نفسه وعلى أصحابه بأنهم أحدثوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم وهذه الشهادة هي مصداق ما أخبر به صلى الله عليه وسلم ...» الخ كلامه.

وأما استشهاده بقول أنس - رضي الله عنه - (فلم نصبر) على طعنه في

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الفتح آيه 18.

الصحابة، وما ادعاه من إحداثهم وردتهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، فليس في قول أنس ما يدل على تلك الدعوى الفاسدة لامن قريب أو بعيد.

وبيان ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عهد للأنصار عهدًا أنهم سيلاقون أثرة وظلمًا شديدًا بعده، كما جاء في الصحيحين من حديث أنس، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (... إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله على الحوض، قال أنس فلم نصبر) . (1)

فقول أنس - رضي الله عنه - متعلق بما أوصاهم به من الصبر على ظلم الولاة واستئثارهم بالحقوق عليهم، وغاية ما يدل عليه أنهم لم يصبروا على ظلم الولاة، بخلاف ما ادعى الرافضي من الإحداث والردة فهذا لايتحمله السياق ولا يدل عليه.

والصبر الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار وأمر به غيرهم في

حق الولاة جاء مفسرًا في أحاديث أخرى، ففي الصحيحن من

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت