فهرس الكتاب
حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كره من أميره شيئًا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جزء من حديث أنس في خبر قسمة الغنائم يوم حنين رواه البخاري
في (كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة قلوبهم...) فتح الباري 6/251، ح3147، ومسلم(كتاب الزكاة، باب إعطاء
المؤلفة قلوبهم)2/733،734، ح1059.
مات ميتة جاهلية). (1)
وفي رواية أخرى عن ابن عباس أيضًا: (من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر عليه، فإنه من فارق الجماعة شبرًا فمات إلا مات ميتة جاهلية) . (2)
فتبين أن الصبر على الولاة يكون بلزوم جماعة المسلمين، وعدم الخروج على السلطان، وعلى هذا فأنس - رضي الله عنه - وسائر الأنصار من الصابرين على الولاة المتمسكين بوصية نبيهم صلى الله عليه وسلم إذ لا يعرف في تأريخ الأنصار أن أحدًا منهم خرج على الحكام، لا في عهد الخلفاء الراشدين، ولا فيما أدركوا من عهد الدولة الأموية، وقد كان أنس - رضي الله عنه - من آخر الصحابة موتًا كما تقدم (3) ، وقد أدرك بعض الأمراء الظلمة مثل الحجاج بن يوسف الذي كان أميرًا عليه عندما كان في العراق، ومع هذا لا يعرف من سيرته أنه نازعه في سلطانه، ولا خرج
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورًا تنكرونها) فتح الباري 13/5، ح7053، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين...) 3/1478، ح1849.
(2) رواه البخاري (في كتاب الفتن، باب قول النبي صلى الله عليه وسلم سترون بعدي أمورًا تنكرونها) فتح الباري 13/5، ح7054، ومسلم (كتاب الإمارة، باب وجوب ملازمة جماعة المسلمين ...) 3/1477، ح1849.
(3) انظر ص381 من هذا الكتاب.
عليه، مع ما هو معروف به الحجاج من الظلم والبطش بل كان في ذلك صابرًا محتسبًا، وكان الحجاج لربما تعرض له بشيء من السب والشتم فلا يخرجه ذلك عن صبره - رضي الله عنه - على ما نقل ابن كثير من رواية علي بن يزيد قال:(كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي ياخبيث جوال في الفتن مرة عليّ، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع
ابن الأشعث، أما والذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب.
قال يقول أنس: إياي يعني الأمير؟ قال: إياك أعني أصم الله سمعك قال: فاسترجع أنس). (1)
وهذا مما يدل على صبر أنس تحقيقًا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكًا بالعهد الذي عهده إليه - رضي الله عنه - وأرضاه، وأما قول أنس - رضي الله عنه - (فلم نصبر) فهذا لا يشكل على من عرف سيرة الصحابة رضوان الله عليهم وما كانوا عليه من مقتهم لأنفسهم واستعظامهم ذنوبهم لشدة خوفهم من الله تعالى، وتعظيمهم له، ولذا ثبت في صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: (إنكم لتعملون أعمالًا هي أدق في أعينكم من الشعر، إن كنا لنعدها على عهد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البداية والنهاية لابن كثير 9/96.
النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات). (1)
ولعل أنس - رضي الله عنه - أراد بقوله: (لم نصبر) ما قام به من شكوى الحجاج على الخليفة لما اشتد أذاه له على ما روى ابن كثير عن أبي بكر بن عياش أن أنسًا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: (والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه وأنا خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشر سنين) . (2)
وقد تقدم نقلًا عن ابن حجر أن أنسًا - رضي الله عنه - قدم دمشق شاكيًا الحجاج على الخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك. (3)
ومعلوم أن شكوى أنس للحجاج لاتنافي الصبر، ولا تقدح في أنس - رضي الله عنه - فإن الحجاج كان ظالمًا مستبدًا مؤذيًا للأخيار ومنهم أنس، فرفع أمره للخليفة دفع لظلمه، وانتصار بالحق، وهذا جائز في الشرع، بل محمود قال تعالى: {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} (4) ، وقال - تعالى: إلا الذين آمنوا وعموا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) رواه البخاري في: (كتاب الرقاق، باب مايتقى من محقرات الذنوب) فتح الباري 11/329، ح6492.
(2) البداية والنهاية 9/96.
(3) انظر: ص 379 من هذا الكتاب.
(4) سورة الشوري آية 41.
الصالحات وذكروا الله كثيرًا وانتصروا من بعد ما ظلموا (1) ، وقال تعالى في وصف المؤمنين في معرض الثناء عليهم: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} . (2)
فأنس - رضي الله عنه - انتصر لنفسه بحق ثم إنه رأى بعد هذا أن الأولى هو عدم ذلك، وأن الأليق بمقامه هو العفو والصفح، وعليه يتنزل قوله: (لم نصبر) والله تعالى أعلم.