الصفحة 140 من 678

وأما قول البراء بن عازب - رضي الله عنه: (إنك لا تدري ما أحدثنا بعده) (3) فمحول على ماتقدم من مقت الصحابة رضوان الله عليهم لأنفسهم، لكمال إيمانهم، وتعظيمهم لربهم.

قال ابن حجر في شرحه: «يشير إلى ما وقع لهم من الحروب وغيرها، فخاف غائلة ذلك، وذلك من كمال فضله» . (4)

قلت: وهذا حال كل مؤمن كامل الإيمان، فهو دائمًا يستصغر عمله ويستقله، ويستعظم ذنبه ويستكثره، وذلك لكمال علمه بالله ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سورة الشعراء آية 227.

(2) سورة الشورى آية 39.

(3) أخرجه البخاري في: (كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية) فتح الباري 7/449، ح4175.

(4) فتح الباري 7/450.

وقوة تعظيمه له، بخلاف الفاسق، فإنه يستعظم عمله، ويستقل ذنبه، لضعف الإيمان في نفسه وجرأته على ربه.

روى البخاري عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه فقال به هكذا) . (1)

ولهذا كثرت الآثار عن الصحابة، وخيار سلف الأمة في لوم النفس، واستشعار التقصير لكمال إيمانهم وعلمهم بالله -y- وما قول البراء وأنس بن مالك إلا من هذا الباب، ولو كان في هذا مطعن عليهما للزم ذلك الطعن على خيار الصحابة وسلف الأمة، الذين نقل عنهم من أمثال ذلك ما يصعب حصره.

وإنما اذكر هنا بعض ما جاء من ذلك عن الصحابة الذين هم ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري في: (كتاب الدعوات، باب التوبة...) فتح الباري 11/102، ح6308، وهذا الحديث مختلف فيه، هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول ابن مسعود، لأن رواي الحديث عن عبدالله بن مسعود وهو الحارث بن سويد قال: حدثنا ابن مسعود حديثين: أحدهما: عن النبي صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه، وذكر هذا الحديث ثم ذكر (لله أفرح بتوبة العبد...) وذكر النووي أن المرفوع هو الثاني، شرح صحيح مسلم 17/61.

قال ابن حجر: «وكذا جزم ابن بطال بأن الأول هو الموقوف، والثاني هو المرفوع وهو كذلك) فتح الباري 11/105.

محل تقدير الرافضة وتعظيمهم، فمن ذلك ما ثبت عن علي - رضي الله عنه - من ندمه يوم الجمل ندمًا عظيمًا حتى إنه قال لابنه الحسن: (يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا قال: يابني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا) . (1)

وفيه رواية: (أنه لما اشتد القتال يوم الجمل ورأى علي الرؤوس تندر، أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره، ثم قال: إنا لله ياحسن؟ أي خير يرجى بعد هذا؟) . (2)

وروى أبو نعيم عن سعيد بن المسيب (أن سعد بن مالك وعبدالله بن مسعود دخلا على سلمان -y- يعودانه فبكى فقالا: ما يبكيك يا أبا عبدالله؟ فقال: عهد عهده إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يحفظه أحد منا قال: ليكن بلاغ أحدكم كزاد الراكب) . (3)

وعن أبي ذر - رضي الله عنه - أنه قال: (والله لوددت أني شجرة تعضد) . (4)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7/251، والطبري في تأريخه 4/537، ولم يذكر قول الحسن.

(2) ذكره ابن كثير في البداية والنهاية 7/251.

(3) حلية الأولياء 1/196.

(4) أخرجه أحمد في المسند 5/173، والحاكم في المستدرك، وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي ==

فإذا كانت مثل هذه الآثار لا تستلزم الطعن في هؤلاء الأخيار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم ممن تعتقد الرافضة عدالتهم وفضلهم، فكذلك الشأن فيما ثبت عن أنس والبراء -رضي الله عنهما- لايلزم منه الطعن عليهما أو تنقصهما.

وأما ما ادعاه الرافضي من أن تلك الآثار تصديق لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن أصحابه سيحدثون بعده، فقد تقدم الرد على ذلك مفصلًا بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (1)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(=) المستدرك مع التلخيص 4/625، وليس في رواية الحاكم النص على أن هذه العبارة من كلام أبي ذر، وإنما جاءت مدرجه في حديث: (إني أرى مالا ترون وأسمع ما لا تسمعون...) والصحيح أنها ليست من كلام النبي صلى الله عليه وسلم بل هي من كلام أبي ذر - رضي الله عنه - وقد نبه على ذلك الشيخ الألباني

-حفظه الله- في سلسلة الأحاديث الصحيحة 4/300.

(1) انظر: ص 350 من هذا الكتاب.

طعن الرافضي على الشيخين ببعض ما أثر عنهما من أقوال في شدة خوفهما من الله والرد عليه

قال الرافضي ص133 تحت عنوان: (شهادة الشيخين على نفسيهما) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت