فهرس الكتاب
ثالثا: ما ثبت عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، انه ضرب بالدرة من فضله على أبي بكر ، ثم قال عمر: (( أبو بكر كان خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في كذا وكذا ) )، ثم قال عمر: (( من قال غير هذا أقمنا عليه ما نقيم على المفتري ) ). ( فضائل الصحابة للإمام أحمد 1 / 300 ، وصححه ابن تيمية في الصارم ص585 ) .
وكذلك قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب: (( لا يفضلني أحد على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري ) ). ( فضائل الصحابة 1 / 83 ، والسنة لابن ابي عاصم 2 / 575 عن طريق الحكم بن جحل وسنده ضعيف لضعف أبي عبيدة بن الحكم ، انظر فضائل الصحابة 1 / 83 ، لكن له شواهد أحدهما من طريق علقمة عن علي عند ابن ابي عاصم في السنة 2 / 48 ، حسن الالباني إسناده ، والأخر عن سويد بن غفلة عن علي عند الالكائي 7 / 1295 ) .
فإذا كان الخليفتان الراشدان عمر وعلي رضي الله عنهما يجلدان حد المفتري من يفضل عليا على أبي بكر وعمر ، أو يفضل عمرا على أبي بكر ، مع ان مجرد التفضيل ليس فيه سب ولا عيب ، علم عقوبة السب عندهما فوق هذا بكثير . ( الصارم المسلول ص 586 ) .
من سب بعضهم سبا يطعن في دينهم
كأن يتهمهم بالكفر أو الفسق ، وكان ممن تواترت النصوص بفضله . ( بعض العلماء يقيد ذلك بالخلفاء ، والبعض يقتصر على الشيخين ، ومن العلماء من يفرق باعتبار تواتر النصوص بفضله او عدم تواترها ، ولعله الأقرب والله اعلم ، وكذلك بعض من يكفر ساب الخلفاء يقصر ذلك على رميهم بالكفر ، والآخرون يعممون بكل سب فيه طعن في الدين ) :
فذلك كفر على الصحيح ، لأن في هذا تكذيبا لامر متواتر .
روى ابو محمد بن ابي زيد عن سحنون ، قال: (( من قال في أبي بكر وعمر وعثمان وعلي ، أنهم كانوا على ضلال وكفر ، قتل ، ومن شتم غيرهم من الصحابة بمثل ذلك نكل النكال الشديد ) ). ( الشفا للقاضي عياض 2/ 1109 ) .
وقال هشام بن عمار: (( سمعت مالكا يقول: من سب ابا بكر وعمر ، قتل ، ومن سب عائشة رضي الله عنها ، قتل ، لأن الله تعالى يقول فيها: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله ابدا إن كنتم مؤمنين } فمن رماها فقد خالف القرآن ، ومن خالف القرآن قتل ) ). ( الصواعق المحرقة ص384 ) .
أما قول مالك رحمه الله في الرواية الأخرى: (( ومن سب أبا بكر ، جلد ، ومن سب عائشة ، قتل . قيل له: لم ؟ . قال: من رماها فقد خالف القرآن ) ).
فالظاهر - والله اعلم - أن مقصود مالك رحمه الله هنا في سب أبي بكر رضي الله عنه فيما هو دون الكفر ، ويوضحه بقية كلامه عن عائشة رضي اللع عنها ، حيث قال: (( من رماها فقد خالف القرآن ) )فهذا سب مخصوص يكفر صاحبه - ولا يشمل كل سب - وذلك لأنه ورد عن مالك القول بالقتل فيمن كفر من هو دون أبي بكر . ( الشفا 2 / 1109 ) .
قال الهيثمي مشيرا إلى ما يقارب ذلك عند كلامه عن حكم سب أبي بكر: (( فيتلخص ان سب أبي بكر كفر عند الحنفية ، وعلى أحد الوجهين عند الشافعية ، ومشهور مذهب مالك أنه يجب به الجلد ، فليس بكفر . نعم قد يخرج عنه ما مر عنه في الخوارج أنه كفر ، فتكون المسألة عنده على حالين: إن اقتصر على السب من غير تكفير لم يكفره وإلا كفره ) ). ( الصواعق 386 ) .
وقال أيضا: (( وأما تكفير أبي بكر ونظرائه ممن شهد لهم النبي صلىالله عليه وسلم بالجنة ، فلم يتكلم فيها أصحاب الشافعي ، والذي أراه الكفر فيها قطعا ) ). ( الصواعق 385 ) .
وقال الخرشي: (( من رمى عائشة بما برأها الله منه . . . أو أنكر صحبة أبي بكر ، أو إسلام العشرة ، أو إسلام جميع الصحابة ، أو كفر الأربعة ، أو واحدا منهم ، كفر ) ). (الخرشي على مختصر خليل 8 / 74 ) .
وقال البغدادي: (( وقالوا بتكفير كل من أكفر واحدا من العشرة الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة ، وقالوا بموالاة جميع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكفروا من أكفرهن ، أو أكفر بعضهن ) ). ( الفرق بين الفرق ص 360 ) .
والمسألة فيها خلاف مشهور ، ولعل الراجح ما تقدم ، وأما القائلون بعدم تكفير من هذه حاله ، فقد اجمعوا على أنه فاسق ، لارتكابه كبيرة من كبائر الذنوب ، يستحق عليه التعزير والتأديب ، على حسب منزلة الصحابي ، ونوعية السب .
وإليك بيان ذلك:
قال الهيثمي: (( أجمع القائلون بعدم تكفير من سب الصحابة على أنهم فساق ) ). ( الصواعق المحرقة ص383 ) .