فهرس الكتاب
وقال ابن تيمية: (( قال ابراهيم النخعي: كان يقال: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر ، وكذلك قال أبو اسحاق السبيعي: شتم أبي بكر وعمر من الكبائر التي قال الله تعالى فيها: { إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه } . وإذا كان شتمهم بهذه المثابة ، فأقل مافيه التعزير ، لأنه مشروع في كل معصية ليس فيها حد أو كفارة . وهذا مما لا نعلم فيه خلافا بين أهل الفقه والعلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين بأحسان ، وسائر أهل السنة والجماعة ، فإنهم مجمعون على أن الواجب الثناء عليهم والاستغفار لهم والترحم عليهم . . . وعقوبة من اساء فيهم القول ) ). ( اللالكائي 8 / 1262 -1266 ) .
وقال القاضي عياض: (( وسب أحدهم من المعاصي الكبائر ، ومذهبنا ومذهب الجمهور أنه يعزر ولا يقتل ) ). ( مسلم بشرح النووي 16 / 93 ) .
وقال عبد الملك بن حبيب: (( من غلا من الشيعة إلى بغض عثمان والبراء منه أدب أدبا شديدا ، وإن زاد إلى بغض أبي بكر وعمر ، فالعقوبة عليه اشد ، ويكرر ضربه ويطال سجنه حتى يموت ) ). ( الشفا 2 / 1108 ) .
فلا يقتصر في السب أبي بكر رضي الله عنه على الجلد الذي يقتصر عليه في غيره ، لأن ذلك الجلد لمجرد حق الصحبة ، فإذا انضاف إلى الصحبة غيرها مما يقضي الاخترام ، لنصرة الدين وجماعة المسلمين وما حصل على يده من الفتوح وخلافة النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، كان كل واحدة من هذه الأمور تقتضي مزيد حق موجب لزيادة العقوبة عند الاجتراء عليه . ( الصواعق المحرقة 387 ) .
وعقوبة التعزير المشار إليها لا خيار للإمام فيها ، بل يجب عليه فعل ذلك .
قال الإمام أحمد رحمه الله: (( لا يجوز لأحد أن يذكر شيئا من مساوئهم ، ولا يطعن على أحد منهم بعيب ولا بنقص ، فمن فعل ذلك وجب على السلطان تأديبه وعقوبته ، ليس له أن يعفو عنه ، بل يعاقبه ويستتيبه ، فإن تاب قبل منه ، وإن ثبت عاد عليه بالعقوبة ، وخلده الحبس ختى يموت أو يرجع ) ). ( طبقات الحنابلة 1 /24 ، والصارم المسلول 568 ) .
فانظر أخي المسلم إلى قول إمام اهل السنة فيمن يعيب أو يطعن بواحد منهم ، ووجوب عقوبته وتأديبه .
ولما كان سبهم المذكور من كبائر الذنوب عند بعض العلماء فحكم فاعله حكم أهل الكبائر من جهة كفر مستحلها .
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله ، مبينا حكم استحلال سب الصحابة: (( ومن خص بعضهم بالسب ، فإن كان ممن تواتر النقل في فضله وكماله كالخلفاء ، فإن اعتقد حقية سبه أو اباحته فقد كفر ، لتكذيبه ما ثبت قطعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومكذبه كافر ، وإن سبه من غير اعتقاد حقية سبه أو إباحته فقد تفسق، لأن سباب المسلم فسوق ، وقد حكم البعض فيمن سب الشيخين بالكفر مطلقا ، والله أعلم ) ). ( الرد على الرافضة ص19 ) .
وقال القاضي أبو يعلي - تعليقا على قول الإمام أحمد رحمه الله حين سئل عن شتم الصحابة، فقال:"ما أراه على الإسلام"، قال أبو يعلي: (( فيحتمل أن يحمل قوله: ما أراه على الإسلام ،إذا استحل سبهم ، فإنه يكفر بلا خلاف ، ويحمل إسقاط القتل على من لم يستحل ذلك مع اعتقاده تحريمه ، كمن يأتي بالمعاصي . . . ) )ثم ذكر بقية الاحتمالات . ( الصارم المسلول ص 571 وما قبلها ) .
يتلخص مما سبق فيمن سب بعضهم سبا يطعن في دينه وعدالته ، وكان ممن تواترت النصوص بفضله ، انه يكفر - على الراجح - لتكذيبه امرا متواترا .
أما من لم يكفره من العلماء ، فاجمعوا على أنه من أهل الكبائر ، ويستحق التعزير والتأديب ، ولا يجوز للإمام أن يعفو عنه ، ويزاد في العقوبة على حسب منزلة الصحابي . ولا يكفر عندهم إلا إذا استحل السب .
أما من زاد على الاستحلال ، كأن يتعبد الله عز وجل بالسب والشتم ، فكفر مثل هذا مما لا خلاف فيه ، ونصوص العلماء السابقة واضحة في مثل ذلك .
وباتضاح هذا النوع بإذن الله ، يتضح ما بعده بكل يسر وسهولة ، ولذلك اطلنا القول فيه .
أما من سب صحابي لم يتواتر النقل بفضله
فقد بينا فيما سبق رجحان تكفير من سب صحابيا تواترت النصوص بفضله من جهة دينه ، أما من لم تتوانر النصوص بفضله ، فقول جمهور العلماء بعدم كفر من سبه ، وذلك لعدم إنكاره معلوما من الدين بالضرورة ، إلا أن يسبه من حيث الصحبة .
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب: (( وإن كان ممن لم يتواتر النقل بفضله وكماله ، فالظاهر أن سابه فاسق ، إلا أن يسبه من حيث صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر ) ). ( الرد على الرافضة ص19 ) .
أما سب بعضهم سبا لا يطعن في دينهم وعدالتهم
فلا شك أن فاعل ذلك يستحق التعزير والتأديب ، ولكن من مطالعتي لأقوال العلماء في المراجع المذكورة ، لم أر أحدا منهم يكفر فاعل ذلك ، ولا فرق عندهم بين كبار الصحابة وصغارهم .