الصفحة 168 من 678

فقد بين ابن عباس ، ان هذه الآية إنما نزلت فيمن قذف عائشة وامهات المؤمنين رضي الله عنهن ، لما في قذفهن من الطعن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعيبه ، فغن قذف المرأة أذى لزوجها ، كما هو أذى لابنها ، لأنه نسبة له إلى الدياثة وإظهار لفساد فراشه ، وإن زنى امرأته يؤذيه اذى عظيما . . ولعل ما يلحق بعض الناس من العار والخزي بقذف أهله اعظم مما يلحقه لو كان هو المقذوف . ( الصارم المسلول ص 45 ، والقرطبي 12 / 139 ) .

وكذلك فإيذاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر بالإجماع .

قال القرطبي عند قوله تعالى { يعظكم الله ان تعودوا لمثله ابدا } : (( يعني في عائشة ، لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول بعينه ، او فيمن كان في مرتبته من ازواج النبي صلى الله عليه وسلم ، لما في ذلك من إذاية رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله ، وذلك كفر من فاعله ) ). ( القرطبي 12 / 136 ، عن ابن عربي في أحكام القرآن 3 / 1355 - 1356 ) .

ومما يدل على أن قذفهن أذى للنبي صلى الله عليه وسلم ، ما أخرجه الشيخان في صحييهما في حديث الإفك عن عائشة ، قالت: (( فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من عبد الله بن أبي سلول ) )، قالت: (( فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر -: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في اهل بيتي . . ) )كما جاء في الصحيحين .

فقوله: (( من يعذرني ) )أي من ينصفني ويقيم عذري إذا انتصفت منه لما بلغني من اذاه في أهل بيتي ، والله أعلم .

فثبت انه صلى الله عليه وسلم قد تاذى بذلك تأذيا استعذر منه .

وقال المؤمنون الذين لم تاخذهم حمية: (( مرنا نضرب اعناقهم ، فإنا نعذرك إذا أمرتنا بضرب أعناقهم ) )، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على سعد استئماره في ضرب أعناقهم . ( الصارم المسلول ص 47 ) .

قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (( ومن يقذف الطيبة الطاهرة أم المؤمنين زوجة رسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة ، لما صح ذلك عنه ، فهو من ضرب عبد الله بن أبي سلول رأس المنافقين .

ولسان حال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يا معشر المسلمين من يعذرني فيمن أذاني في أهلي . { إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا مبينا } . . فأين أنصار دينه ليقولوا له: نحن نعذرك يا رسول الله )) . (الرد عل الرافضة 25-26 ) .

كما أن الطعن بها رضي الله عنها فيه تنقيص برسول الله صلى الله عليه وسلم من جانب آخر ، حيث قال عز وجل: { الخبيثات للخبيثين .. } .

قال ابن كثير: (( أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة ، لأنه أطيب من كل طيب من البشر ، ولو كانت خبيثة لما صلحت له شرعا ولا قدرا ، ولهذا قال تعالى { أولئك مبرءون مما يقولون } أي عما يقوله أهل الإفك والعدوان ) ). ( ابن كثير 3 / 278 ) .

حكم سب بقية أمهات المؤمنين

اختلف العلماء في قذف بقية امهات المؤمنين ، والراجح الذي عليه الأكثرون: كفر فاعل ذلك ، لأن المقذوفة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والله تعالى إنما غضب لها ، لأنها زوجته صلى الله عليه وسلم ، فهي وغيرها منهن سواء . ( البداية والنهاية 8 / 95 ) .

وكذلك فيه تنقيصا وأذى لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقذف حليلته . ( الشفا 2 / 1113 ، وراجع ايضا الصواعق المحرقة ص 387 ) .

وقد بينا ذلك عند كلامنا عن حكم قذف أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها .

أما أن سب أمهات المؤمنين سبا غير ذلك فحكمهن حكم سائر الصحابة على التفصيل السابق .

لوازم السب

تيقظ السلف الصالح رضوان الله عليهم لخطورة الطعن في الصحابة وسبهم ، وحذروا من الطاعنين ومقاصدهم ، وذلك لعلمهم بما يؤدي إليه ذلك السب من لوازم باطلة تناقض اصول الدين ، فقال بعضهم كلمات قليلة ، لكنها جامعة ، أذكرها في مقدمة هذا المبحث ، ثم أوضح - بعض الشيء - ما يترتب على السب غالبا .

وسأركز في الرد على السب من القسم الأول والثاني ، من نسبة الكفر أو الفسق لمجموع الصحابة أو اكثرهم ، أو الطعن في عدالة من تواترت النصوص بفضله كالخلفاء رضي الله عنهم .

قال الإمام مالك رحمه الله عن هؤلاء الذين يسبون الصحابة: (( إنما هؤلاء اقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمكنهم ذلك ، فقدحوا في اصحابه ، حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلا صالحا لكان أصحابه صالحون ) ). ( رسالة في سب الصحابة ، عن الصارم المسلول ص580 ) .

وقال الإمام أحمد رحمه الله: (( إذا رأيت رجلا يذكر أحدا من الصحابة بسوء فاتهمه على الإسلام ) ). ( البداية والنهاية 8 / 142 ، وأنظر المسائل والرسائل المروية عن أحمد في العقيدة الأحمدية للأحمدي 2 / 363 ، 364 ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت