فهرس الكتاب
وقال أبو زرعة الرازي رحمه الله: (( فإذا رأيت الرجل ينتقص أحدا من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعلم انه زنديق ، وذلك ان الرسول صلى الله عليه وسلم عندنا حق ، والقرآن حق ، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنة ، والجرح بهم اولى وهم زنادقة ) ). ( الكفاية للخطيب البغدادي 97 ) .
وقال الإمام أبو نعيم رحمه الله: (( فلا يتتبع هفوات أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وزللهم ويحفظ عليهم ما يكون منهم حال الغضب والموجدة إلا مفتون القلب في دينه ) ). ( الإمامة لأبي نعيم 344 ) .
ويقول أيضا: (( لا يبسط لسانه فيهم إلا من سوء طويته في النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته والإسلام والمسلمين ) ). ( الإمامة لأبي نعيم 376 ) .
وتحذيرالعلماء هنا عام يشمل جميع الصحابة ، وتأمل قول إمام أهل السنة: (( يذكر أحدا من الصحابة بسوء ) )، وقول أبي زرعة: (( ينتقص أحدا ) )، فحذروا ممن ينتقص مجرد انتقاص أو ذكر بسوء ، وذلك دون الشتم أو التكفير ، ثم في واحد منهم وليس جميعهم ، فماذا يقال فيمن سب أغلبهم ؟!
وإليك اخي إيضاح لبعض لوازم السب:
أولا: يترتب على القول بكفر وإرتداد معظم الصحابة أو فسقهم إلا نفرا يسيرا ، الشك في القرآن الكريم والأحاديث النبوية ، وذلك لأن الطعن في النقلة طعن في المنقول ، إذ كيف نثق بكتاب نقله إلينا الفسقة والمرتدون - والعياذ بالله - ولذلك صرح بعض أهل الضلال والبدع ممن يسب الصحابة بتحريف الصحابة للقرآن ، والبعض أخفى ذلك .
وكذلك الامر بالنسبة للاحاديث النبوية ، فاذا اتهم الصحابة رضوان الله عليهم في عدالتهم ، صارت الأسانيد مرسلة مقطوعة لا حجة فيها ، ومع ذلك يزعم بعض هؤلاء الإيمان بالقرآن .
فنقول لهم: يلزم من الإيمان بالقرآن الإيمان بما فيه ، وقد علمت أن الذي فيه أنهم خير الأمم ، وأن الله لا يخزيهم ، وأنه رضي عنهم . . . ألخ ، فمن لم يصدق ذلك فيهم ، فهو مكذب لما في القرآن ، ناقض لدعواه .
ثانيا: هذا القول يقتضي أن هذه الأمة - والعياذ بالله - شر أمة أخرجت للناس ، وسابقي هذه الأمة شرارها ، وخيرها القرن الأول كان عامتهم كفارا أو فساقا وإنهم شر القرون . ( الصارم 587 ) كبرت كلمة تخرج من أفواههم .
ثالثا: يلزم من هذا القول ، أحد أمرين: إما نسبة الجهل إلى الله تعالى عما يصفون ، أو العبث في هذه النصوص التي أثنى فيها على الصحابة .
فإن كان الله عز وجل - تعالى عن قولهم - غير عالم بأنهم سيكفرون ، ومع ذلك اثنى عليهم ووعدهم الحسنى فهو جهل ، والجهل عليه تعالى محال .
وإن كان الله عز وجل عالما بأنهم سيكفرون ، فيكون وعده لهم بالحسنى ورضاه عنهم عبث ، والعبث في حقه تعالى محال . ( انظر إتحاف ذوي النجابة لمحمد بن العربي التباني ص75 ) .
ويتبع ذلك الطعن في حكمته عز وجل ، حيث اختارهم واصطفاهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم ، فجاهدوا معه وآزروه ونصره واتخذهم أصهارا له ، حيث زوج ابنتيه ذا النورين عثمان رضي الله عنه ، وتزوج ابنتي الصديق وعمر رضي الله عنهما ، فكيف يختار لنبيه انصارا واصهارا مع علمه بأنهم سيكفرون ؟!.
رابعا: لقد بذل رسول الله صلى الله عليه وسلم جهودا خارقة في تربية الصحابة على مدى ثلاثة وعشرين عاما ، حتى تكون بفضل الله عز وجل المجتمع المثالي في خلقه وتضحياته وزهده وورعه ، فكان صلى الله عليه وسلم اعظم مرب في التاريخ .
لكن على العكس من ذلك ، فإن جماعة تدعي الإنتماء إلى الإسلام ونبي الإسلام ، تقدم لهذا المجتمع صورة معاكسة ، تهدم المجهودات التي قام بها النبي صلى الله عليه وسلم في مجال التربية والتوجيه ، وتثبت له إخفاقا لم يواجهه أي مصلح أو مرب خبير مخلص لم يكن مأمورا من الله ، كما كان الشأن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( صرح بعض من تولى كبر تلكم المزاعم والتهم والضلالات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينجح ، وأن الذي ينجح في ذلك المهدي الغائب - مهديهم - ) .
إن الإمامية ترى أن المجهودات التي بذلها محمد صلى الله عليه وسلم لم تنتج إلا ثلاثة او أربعة - وفقا لبعض الروايات - ظلوا متمسكين بالإسلام إلى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم ، أما غيرهم فقد قطعوا صلتهم بالإسلام - والعياذ بالله - فور وفاته صلى الله عليه وسلم ، وأثبتوا أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم وتربيته اخفقت ولم يعد لها أي تأثير .
وهذا الزعم يؤدي إلى اليأس من إصلاح البشرية ، وعدم الثقة في المنهج الإسلامي وقدرته على التربية وتهذيب الأخلاق ، وإلى الشك في نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وذلك أن الدين الذي لم يستطع أن يقدم للعالم عددا وجيها من نماذج عملية ناجحة بناءة ، ومجتمعا مثاليا في أيام الداعي وحامل رسالته الأول ، فكيف يستطيع أتباعه ذلك بعد مضي وقت طويل على عهد النبوة ؟!