الصفحة 176 من 678

كما تحدث الطحاوي - رحمه الله - عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (وحبهم دين وإيمان وإحسان ، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان) .

والنيل من الصحابة - رضوان الله عليهم - ليس مقصودًا لذاته فقط ، بل إن الهدف الأهم لدى الزنادقة هو النيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن طريق الطعن في أصحابه - رضوان الله عليهم - وفي ذلك يقول مالك - رحمه الله: ( إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال: رجل سوء ، ولو كان رجلًا صالحًا لكان أصحابه صالحين) .

هذا وتعد كتب التاريخ والأدب أوسع باب دخل منه أعداء الإسلام للنيل من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ساعدهم في تنفيذ مآربهم ذلك الكم الهائل من الروايات الضعيفة والمكذوبة المنتشرة في المصادر التاريخية والأدبية عن عصر الصحابة - رضوان الله عليهم.

من أجل ذلك كله وجدت أن أفضل منهج لدراسة عصر الصحابة - رضوان الله عليهم - هو المنهج النقدي لدى المحدثين - رحمهم الله - لكونه يجمع بين الضوابط الشرعية والمنهجية العلمية ، هذا مع الاستفادة في الوقت نفسه من منهج النقد التاريخي.

وعلى أية حال ، ومن دون الدخول في تفاصيل علمية جافة ، فإنه يمكن تلخيص الخطوط العريضة لهذا المنهج بالنقاط التالية:

أولًا: وهي نقطة مهمة ينبغي للمسلم أن يتنبه لها في كل عمل من أعماله ، ألا وهي: إخلاص النية لله سبحانه وتعالى ، إذ ببركة الإخلاص يفتح الله سبحانه وتعالى على العبد كثيرًا من الأمور التي تستغلق عليه.

ثانيًا: معرفة أن المصادر التاريخية أشبه ما تكون بالمواد الخام التي تحتاج إلى التكرير والتصفية قبل الاستفادة منها ، وذلك أن مؤلفيها لم يشترطوا الصحة فيما يدونونه من أخبار ، بل ساروا في عملية التدوين على منهج الجمع ، فجمعوا في كتبهم الغث والسمين من الأخبار ، وهذه النقطة مع الأسف تجاهلها كثير من الباحثين المعاصرين ، وراحوا يتعاملون مع المصادر التاريخية وما فيها من نصوص على أنها من المسلمات ، وهذا بلا شك انعكس بدوره على النتائج التي توصلوا إليها في أبحاثهم.

فالإمام الطبري - رحمه الله - على سبيل المثال قد سار في تاريخه على منهج الجمع فقيد في تاريخه الغث والسمين من الأخبار، دون اشتراط الصحة في ذلك ، بل إنه - رحمه الله - قد أشار إلى هذه المسألة في مقدمته حيث قال: ( فما يكن في كتابي من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه ، أو يستشنعه سامعه ، من أجل أنه لم يعرف له وجهًا في الصحة ، ولا معنى في الحقيقة ، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا ، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا ، وأنا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا) .

إن الاعتماد على مجرد النقل من المصادر دون نقد ، أو تمحيص أمر لا تحمد عقباه، لذا فقد حذر منه العلماء ، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله: ( وكثيرًا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل ، من المغالط في الحكايات والوقائع ، لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثًا أو سمينًا) .

والنقل من المصادر التاريخية دون نقد أو تمحيص آفة كثير من البحوث ، وسببه عدم مراعاة المنهج العلمي في التعامل مع النصوص التاريخية ، وفي ذلك يقول ابن خلدون - رحمه الله: ( أما بعد ، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداوله الأمم والأجيال... وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ... إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول ، والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي لنا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان منهم الزوال ، وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق ، وجدير بأن يعد في علومها وخليق) .

ثالثًا: دراسة ميول مؤلفي المصادر ومعرفة توجهاتهم العقدية ، لما لذلك من تأثير في مصداقية ما ينقلونه من أخبار.

رابعًا: فيما يتعلق بالروايات المسندة فإنه من الأهمية بمكان دراسة رجال إسناد كل رواية ومعرفة أحوالهم جرحًا وتعديلًا ، وذلك إن ميول الرواة ، سواء منها: القبلية ، أو السياسية ، أو العقدية ، تؤثر بلا شك على مصداقية ما ينقلونه من أخبار ؛ وفي ذلك يقول محمد بن سيرين - رحمه الله -: (إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم) .

كما تحدث عبد الله بن المبارك - رحمه الله - عن أهمية الإسناد فقال: (الإسناد من الدين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء) .

وهنا يجدر التنبيه على أن المحدثين قد وضعوا معايير علمية دقيقة في تجريح أو تعديل الرواة ، مراعين في ذلك طبيعة الخبر المروي ، وميول راوي الخبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت