الصفحة 62 من 678

والجواب عن هذا: أن ما ذكره من مراجعة عمر للنبي صلى الله عليه وسلم في أمر الصلح، وكذلك تأخر الصحابة في بداية الأمر عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق، كل هذا صحيح ثابت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث التي نقلت أخبار صلح الحديبية. (1)

وعلى هذين الأمرين مدار طعنه وسلفه من الرافضة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مطعن في شيء من هذا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عمر ولا غيره من الصحابة الذين شهدوا الحديبية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: صحيح البخاري مع فتح الباري: (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد...) 5/329، ح2731-2732، و (كتاب الجزية) 6/281، ح3182، وصحيح مسلم: (كتاب الجهاد والسير، باب صلح الحديبية) 3/1411، ح1785، ومسند أحمد 3/486.

وبيان ذلك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان قد رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت فأخبر أصحابه بذلك وهو بالمدينة، فلما ساروا معه عام الحديبية لم يشك جماعة منهم أن هذه الرؤيا تتفسر هذا العام، فلما وقع أمر الصلح وفيه أن يرجعوا عامهم هذا، ثم يعودوا العام القادم شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) فجعل عمر - رضي الله عنه - على ما عرف به من القوة في الحق والشدة فيه يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ويراجعه في الأمر، ولم تكن أسئلته التي سألها رسول الله صلى الله عليه وسلم لشك في صدق الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو اعتراض عليه، لكن كان مستفصلًا عما كان متقررًا لديه، من أنهم سيدخلون مكة ويطوفون بالبيت، وأراد بذلك أن يحفز رسول الله صلى الله عليه وسلم على دخول مكة، وعدم الرجوع إلى المدينة، لما يرى في ذلك من عز لدين الله وإرغام للمشركين.

قال النووي: «قال العلماء لم يكن سؤال عمر - رضي الله عنه - وكلامه المذكور شكًا بل طلبًا لكشف ما خفي عليه، وحثًا على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه - رضي الله عنه - وقوته في نصر الدين وإذلال المبطلين» . (2)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: تاريخ الطبري 2/635، والبداية والنهاية لابن كثير 4/170.

(2) شرح صحيح مسلم 12/141.

ونقل هذا أيضًا ابن حجر -رحمه الله- عن بعض شراح الحديث. (1)

فعمر - رضي الله عنه - كان في هذا مجتهدًا حمله على هذا شدته في الحق، وقوته في نصرة الدين، والغيرة عليه، مع ما كان قد عودهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشورة وإبداء الرأى، امتثالًا لأمر الله تعالى: {فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر} (2) وقد كان كثيرًا ما يستشيرهم ويأخذ برأيهم، كما استشارهم يوم بدر في الذهاب إلى العير، وأخذ بمشورتهم، وشاورهم يوم أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج للعدو فأشار جمهورهم بالخروج إليهم فخرج إليهم، وشاورهم يوم الخندق في مصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة عامئذٍ فأبى عليه السعدان (سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة) فترك ذلك، وشاورهم يوم الحديبية أن يميل على ذراري المشركين، فقال أبو بكر: إنا لم نجيء لقتال، وإنما جئنا معتمرين فأجابه إلى ما قال (3) ، في حوادث كثيرة يطول ذكرها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: فتح البارى 5/346.

(2) سورة آل عمران من الآية 159.

(3) انظر: تفسير ابن كثير 1/420 عند تفسير قوله تعالى: {وشاورهم في الأمر} .

فقد كان عمر - رضي الله عنه - يطمع أن يأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأيه في مناجزة قريش وقتالهم، ولهذا راجعه في ذلك، وراجع أبا بكر، فلما رأى اتفاقهما أمسك عن ذلك وترك رأيه، فعذره رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يعلم من حسن نيته وصدقه.

أما توقف الصحابة عن النحر والحلق حتى نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلق، فليس معصية لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكر العلماء له عدة توجيهات.

قال ابن حجر: «قيل كأنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر بذلك للندب، أو لرجاء نزول وحي بإبطال الصلح المذكور، أو تخصيصه بالإذن بدخولهم مكة ذلك العام لإتمام نسكهم، وسوّغ لهم ذلك لأنه كان زمان وقوع النسخ، ويحتمل أنهم ألهتهم صورة الحال فاستغرقوا في الفكر لما لحقهم من الذل عند أنفسهم، مع ظهور قوتهم واقتدارهم في اعتقادهم على بلوغ غرضهم، وقضاء نسكهم بالقهر والغلبة، أو أخروا الامتثال لاعتقادهم أن الأمر المطلق لا يقتضي الفور، ويحتمل مجموع هذه الأمور لمجموعهم» . (1)

وجاء في بعض الروايات أن الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأى عدم امتثالهم، دخل على أم سلمة فذكر لها ذلك فقالت: (يا رسول الله لاتكلمهم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) فتح الباري 5/347.

فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح). (1)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت