فهرس الكتاب
فأشارت عليه كما جاء في رواية البخاري: (أن اخرج ثم لاتكلم أحدًا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك، فخرج فلم يكلم أحدًا منهم حتى فعل ذلك، نحر بدنه، ودعا حالقه فحلقه، فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا) . (2)
قال ابن حجر: «ويحتمل أنها فهمت عن الصحابة أنه احتمل عندهم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بالتحلل أخذًا بالرخصة في حقهم، وأنه يستمر على الإحرام أخذًا بالعزيمة في حق نفسه، فأشارت عليه أن يتحلل لينتفي عنهم هذا الاحتمال، وعرف النبي صلى الله عليه وسلم صواب ما أشارت به ففعله... ونظير هذا ما وقع لهم في غزوة الفتح من أمره لهم بالفطر في رمضان، فلما استمروا على الامتناع، تناول القدح فشرب، فلما رأوه شرب شربوا» . (3)
وهذا الوجه حسن، وهو اللائق بمقام أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنهم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكره ابن حجر في فتح الباري 5/347.
(2) صحيح البخاري مع الفتح (كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد) 5/332
(3) فتح الباري 5/347.
كانوا على قدر كبير من تعظيم الإحرام والحرص على إكمال النسك، فلما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتحلل ولم يفعل ، ظنوا أن الذي حمله على هذا هو الشفقة عليهم، كما كانت سيرته معهم، فكأنهم -رضي الله عنهم- آثروا التأسي به على ما رخص لهم فيه من التحلل، ثم لما رأوه قد تحلل أيقنوا أن هذا هو الأفضل في حقهم، فبادروا إليه، وهذا مثل ما حصل منهم في الحج مع النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغوا مكة وطافوا وسعوا أمرهم أن يحلوا، وأن يصيبوا النساء ويجعلوها عمرة، فكبر ذلك عليهم لتعظيمهم لنسكهم، وقالوا: نذهب إلى عرفة ومذاكيرنا تقطر من المني، فلما علم بذلك الرسول صلى الله عليه وسلم وكان لم يتحلل، قال لهم: (أيها الناس أحلوا فلولا الهدى الذي معى فعلت كما فعلتم) قال جابر - رضي الله عنه - راوي الحديث: فحللنا وسمعنا وأطعنا. (1)
وهذا كله من حرص أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخير والرغبة في التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم التأسي الكامل. فرضي الله عنهم أجمعين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ملخصًا من حديث جابر بن عبدالله الذي رواه البخاري في (كتاب الاعتصام، باب نهي النبي صلى الله عليه وسلم على التحريم إلا ما تعرف إباحته) فتح الباري 13/337، ح7367، ومسلم (كتاب الحج، باب بيان وجوه الإحرام..) 2/883-884، ح1216.
وبهذا تظهر الوجهة الصحيحة لمواقف الصحابة الجليلة في هذه الغزوة المباركة، التي ازدادوا بها رفعة عند الله، وسبقًا في دينه، ومحبة في قلوب المؤمنين.
فإن أبى الرافضي قبول ذلك استكبارًا وعنادًا، وظلمًا وطغيانًا وأصر على ما هو عليه من الكذب والتدليس، فإني أورد هنا عدة أوجه فيها إلزامه وفضيحته، ودحض شبهته بحول الله وقوته وهي:
الوجه الأول: ما بدر من الصحابة -رضي الله عنهم- يوم الحديبية كان بحضور رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد كان الوحي ينزل عليه، فهل ذمهم الله بذلك؟ فإن الله لا يقر على باطل. أو أنكر عليهم رسوله صلى الله عليه وسلم ؟ فإنه لا تأخذه في الله لومة لائم. فإذا لم يحصل شيء من ذلك ولم ينقل عن أحد من الصحابة الذين شهدوا الواقعة أنهم سعوا في الإنكار على من يدعي هذا الرافضي أنه مخالف ومنازع، ثم تتابعت الأمة بعد ذلك جيلًا بعد جيل على عدم الإنكار بل الترضي على أولئك الأخيار، أفاد كل ذلك حقيقة حتمية، وضرورة شرعية عند كل متدين بهذا الدين داخل في عقد المسلمين ألا وهي: براءة الصحابة وطهارتهم من كل ما يرميهم به الرافضة والزنادقة من العظائم وأن الطعن فيهم بعد هذا رد على رب العالمين، ومشاقة لرسوله الكريم، واتباع لغير سبيل المؤمنين.
الوجه الثاني: أن الله تعالى قال في سورة الفتح التي أنزلها على
رسوله صلى الله عليه وسلم بعد رجوعه من الحديبية في طريقه إلى المدينة (1) : {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحًا قريبًا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزًا حكيمًا} . (2)
وكان عدد أهل الحديبية الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة ألفًا وأربعمائة رجلٍ، كما ذكر جابر - رضي الله عنه - قال: (كنا يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة فبايعناه، وعمر آخذ بيده تحت الشجرة وهي سمرة) . (3)
وفي صحيح مسلم أن أم بشر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (لايدخل النار -إن شاء الله- من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها) . (4)
فثبت بصريح الكتاب والسنة أن الله رضي عنهم، وأنزل السكينة في قلوبهم، وشهد لهم الرسول صلى الله عليه وسلم بالجنة، والنجاة من النار، فالطعن فيهم بعد هذا تكذيب صريح لما دلت عليه النصوص، ورد على الله ورسوله، ولهذا لم يتوقف العلماء في تكفير من كفّر، أو فسق