الصفحة 67 من 678

هذا وقد نقل إجماعهم على هذه العقيدة شيخهم المفيد في مقالاته حيث قال: «واتفقت الإمامية على أن رسول الله صلى الله عليه وآله استخلف أمير المؤمنين عليه السلام في حياته، ونص عليه بالإمامة بعد وفاته، وأن من دفع ذلك دفع فرضًا من الدين» . (2)

وبهذا يظهر كذب هذا الرجل وتلبيسه فيما ادعاه: من أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب النص على استخلاف علي، ونسبته هذا القول

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بصائر الدرجات ص99.

(2) أوائل المقالات ص44.

إلى الرافضة. فأي معنى لهذا عندهم إذا كانت الرافضة تعتقد أن النص على ولاية علي واستخلافه قد جاء من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم في أكثر من مائة وعشرين مرة في كل مرة يعرج به إلى السماء ويوصى بها، ثم تبليغ

النبي صلى الله عليه وسلم أمته ذلك على ما تدعي الرافضة في نصوص متواترة قبل حادثة الكتاب.

ولذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «ومن توهم أن هذا الكتاب كان بخلافة علي فهو ضال باتفاق عامة الناس، من علماء السنة والشيعة، أما أهل السنة فمتفقون على تفضيل أبي بكر وتقديمه، وأما الشيعة القائلون بأن عليًا كان هو المستحق للإمامة فيقولون: إنه قد نص على إمامته قبل ذلك نصًا جليًا ظاهرًا معروفًا، وحينئذ فلم يكن يحتاج إلى كتاب» . (1)

وعلى كل حال فسواء ثبت هذا القول عن بعض الرافضة، أم انفرد به هو فلا صحة له، إذ لا دليل عليه، وإنما مبناه على الظنون والأوهام الكاذبة، التي لا تستند لدليل من عقل أو شرع، بل الأدلة على خلافه كباقي عقائد الرافضة، وعلى فرض صحته -مع استحالة ذلك- فلا حجة فيه للرافضة، بل هو حجة عليهم في إبطال دعوى

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) منهاج السنة 6/25.

الوصية لعلي - رضي الله عنه - وهذا ظاهر، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أراد من ذلك

الكتاب النَّصَ على خلافة علي في ذلك الوقت المتأخر من حياته، دل هذا على عدم نصه عليها قبل ذلك، إذ لا معنى للنص عليها مرتين، وإذا ثبت باتفاق أهل السنة والرافضة أن النبي صلى الله عليه وسلم مات ولم يكتب ذلك الكتاب، بطلت دعوى الوصية من أصلها.

وإذا تقرر هذا: فليعلم أن العلماء اختلفوا في مراد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الكتاب، فذهب بعضهم إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يكتب كتابًا ينص فيه على الأحكام ليرتفع الاختلاف. نقله النووي، وابن حجر عن بعض أهل العلم. (1)

وقيل: إن مراده صلى الله عليه وسلم من الكتاب: بيان ما يرجعون إليه عند وقوع الفتن، وقد ذكر هذا القرطبي ضمن الاحتمالات المرادة من الكتاب. (2)

وقيل: إن المراد بيان كيفية تدبير الملك، وهو إخراج المشركين من جزيرة العرب، وإجازة الوفد بنحو ما كان يجيزهم، وتجهيز جيش أسامة. وبهذا قال الدهلوي (3) مستدلًا على ذلك بما كان النبي صلى الله عليه وسلم

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 11/90، وفتح الباري لابن حجر 1/209.

(2) انظر: المفهم 4/558.

(3) انظر: مختصر التحفة الإثني عشرية ص251.

أوصى به في حديث ابن عباس المتقدم. (1)

والذي عليه أكثر العلماء المحققين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على استخلاف أبي بكر - رضي الله عنه -ثم ترك ذلك اعتمادًا على ما علمه من تقدير الله تعالى.

وقد حكى هذا القول سفيان بن عيينة عن أهل العلم قبله (2) وإليه ذهب القرطبي (3) ، وشيخ الإسلام ابن تيمية (4) ، والسويدي. (5) وذكر القاضي عياض: أن الكتاب كان في أمر الخلافة وتعيينها من غير أن يشير إلى أبي بكر. (6)

وقد استدل من قال بهذا القول بما جاء في الصحيحين من حديث عائشة -رضي الله عنها-قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادعي لي أبا بكر وأخاك، حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن، ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) انظر: ص 277 من هذا الكتاب.

(2) انظر: شرح صحيح مسلم للنووي 11/90.

(3) انظر: المفهم 4/558.

(4) انظر: منهاج السنة 6/23-24-316.

(5) انظر: الصارم الحديد في عنق صاحب سلاسل الحديد (الجزء الثاني) ، ص48.

(6) انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى صلى الله عليه وسلم 2/890.

أبا بكر). (1)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وأما قصة الكتاب الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يكتبه، فقد جاء مبينًا كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-» (2) ، ثم ساق الحديث.

فهذه أقوال أهل العلم المعتد بأقوالهم، ليس فيها قول واحد يؤيد ما ذهب إليه الرافضي، بل تدل في مجموعها على بطلان ما ادعاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت