فهرس الكتاب
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم للقرطبي 4/559.
(2) تقدم ذكر الحديث وتخريجه في الصفحة السابقة.
(3) تقدم تخريجه ص 253.
(4) انظر: المفهم 4/559.
وقد نبه المازري -رحمه الله- على وجه اختلافهم هذا فقال: «إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب، مع صريح أمره لهم بذلك، لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة، دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع، لما قام عنده من القرائن بأنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عن غير قصد جازم، وعزمه صلى الله عليه وسلم كان إما بالوحي وإما بالاجتهاد، وكذلك تركه إن كان بالوحي فبالوحي وإلا فبالاجتهاد، وفيه حجة لمن قال بالاجتهاد في الشرعيات» . (1)
فتبين أن اختلافهم ناشئ عن اجتهاد في فهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم ومراده، وإذا كان علماء الأمة من بعدهم قد اختلفوا في فهم النصوص اختلافًا كبيرًا في مسائل كثيرة إلى أقوال متعددة ولم يُذَموا بذلك لما تضافرت به النصوص من رفع الحرج عنهم، بل أجرهم على الاجتهاد على كل حال، فكيف يذم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم باختلافهم في مسألة جزئية مجتهدين، بعد أن عذرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحدًا منهم بل أخذ بقول الطائفة المانعة من كتابة الكتاب، ورجع إلى قولها في
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نقله عنه ابن حجر في فتح الباري 8/134، كما نقله النووي في شرحه لصحيح مسلم 11/92، وبينهما اختلاف يسير، والذي يظهر أن في نقل ابن حجر تصرفًا واختصارًا.
ترك الكتابة.
وأما ما ادعاه الرافضي من أن اختلاف الصحابة، وما ترتب عليه من عدم كتابة النبي صلى الله عليه وسلم لهم ذلك الكتاب هو الذي حرم الأمة من العصمة إلى آخر كلامه في هذا...
فقد تقدم الرد عليه مفصلًا بما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (1)
وأما استدلاله بقول ابن عباس: (ان الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب) (2) ، فلا حجة له فيه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في معناه: «يقتضي أن الحائل كان رزية، وهو رزية في حق من شك في خلافة الصديق، واشتبه عليه الأمر، فإنه لو كان هناك كتاب لزال الشك، فأما من علم أن خلافته حق فلا رزية في حقه ولله الحمد» . (3)
ويوضح هذا أن ابن عباس -رضي الله عنهما- ما قال ذلك إلا بعد ظهور أهل الأهواء والبدع، من الخوارج والروافض.نص على هذا
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: ص 227 ومابعدها.
(2) تقدم تخريجه ص277.
(3) منهاج السنة 6/25.
شيخ الإسلام ابن تيمية (1) والحافظ ابن حجر. (2)
وأيضًا فقول ابن عباس هذا قاله اجتهادًا منه، وهو معارض بقول عمر واجتهاده، وقد كان عمر أفقه من ابن عباس قطعًا. قاله
ابن حجر. (3)
قلت: بل هو معارض بقول عمر، وطائفة من الصحابة معه، كماجاء في الحديث: (فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك) . (4)
ويعضد هذا القول موافقة النبي صلى الله عليه وسلم له بعد ذلك وتركه كتابة الكتاب، فإنه صلى الله عليه وسلم لو أراد أن يكتب الكتاب ما استطاع أحد أن يمنعه، وقد ثبت أنه عاش بعد ذلك أيامًا باتفاق السنة والرافضة فلم يكتب شيئًا. (5)
وأما ادعاؤه أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بذلك الكتاب أن ينص على خلافة علي - رضي الله عنه - بعد أن حكى ذلك عن الرافضة، زاعمًا أنه ليس هناك تفسير معقول غيره:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: منهاج السنة 6/316.
(2) انظر: فتح الباري 1/209.
(3) انظر: فتح البارى 8/134.
(4) تقدم تخريجه ص 277.
(5) تقدم تقرير هذه المسألة ص 229.
فالجواب على هذا أن ادعاءه أن هذا قول الرافضة -على الإطلاق- كذب ظاهر، خلاف المشهور من عقيدتهم.
فالرافضة يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم قد نص على خلافة علي، ونصبه وصيًا من بعده، بأمر الله له قبل حادثة الكتاب، ولهم في ذلك مبالغات كبيرة، حتى زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم عُرِجَ به إلى السماء الدنيا مائة وعشرين مرة، في كل مرة يوصى بولاية علي.
جاء في كتاب بصائر الدرجات للصفار فيما يرويه عن أبي عبد الله أنه قال: «عرج بالنبي صلى الله عليه وآله إلى السماء مائة وعشرين مرة، ما من مرة إلا وقد أوصى الله النبي صلى الله عليه وآله بولاية علي والأئمة من بعده أكثر مما أوصاه بالفرائض» . (1)