الصفحة 65 من 678

يقول المؤلف ص95، تحت عنوان: (الصحابة ورزية الخميس) : «ومجمل القصة أن الصحابة كانوا مجتمعين في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بثلاثة أيام فأمرهم أن يحضروا له الكتف والدواة، ليكتب لهم كتابًا يعصمهم من الضلالة، ولكن الصحابة اختلفوا، ومنهم من عصى أمره واتهمه بالهجر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجهم من بيته دون أن يكتب لهم شئيًا» .

ثم ذكر تحته كلامًا طويلًا، مفاده:

-أن اختلاف الصحابة هذا هو الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم من كتابة الكتاب، وبالتالي حرم الأمة من العصمة من الضلالة، واستدل على ذلك بقول ابن عباس -رضي الله عنهما-: (إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب) .

-أن الشيعة يعتقدون بأن الرسول صلى الله عليه وسلم أراد أن ينص على خلافة علي، ثم ذكر أن هذا هو الرأي الذي يميل إليه، وليس هناك تفسير معقول غيره.

-أن عمر هو الذي عارض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: (إنه يهجر) ، ثم

قال: (عندكم القرآن) ، (حسبنا كتاب الله) ، وقال إنه لا يجد مبررًا لقول عمر الذي أنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يعي ما يقول، وذكر أن تعليل أهل السنة بأن عمر قال ذلك شفقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم لايقبله بسطاء العقول فضلًا عن العلماء.

-أن الأكثرية الساحقة من الصحابة كانت على قول عمر ذلك، ولذلك رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عدم جدوى كتابة الكتاب، لأنه علم بأنهم لن يمتثلوه بعد موته.

-أن الصحابة في هذه الحادثة تعدوا حدود رفع الأصوات إلى رميه صلى الله عليه وسلم بالهجر والهذيان...

قلت: ما ذكره المؤلف هنا من مطاعن ليس هو أول من أوردها، وإنما أخذها عن سلفه من الرافضة، وهي من مطاعنهم القديمة المشهورة على الصحابة. وعمدتهم في ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال:(لما حضر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت رجال فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلموا أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قوموا.

قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما

حال بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم ). (1)

وفي رواية أخرى عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: (يوم الخميس وما يوم الخميس، اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه فقال: ائتوني أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبي نزاع، فقالوا: ما شأنه؟ أَهَجَر، اسْتَفْهِمُوه، فذهبوا يردون عليه، فقال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه، وأوصاهم بثلاث، قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفود بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة، أو قال: فنسيتها) . (2)

وليس فيما ثبت في هذا الحديث ورواياته الصحيحة أي مطعن على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما ما ذكره هذا الرافضي من مطاعن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ) فتح البارى 8/132، ح4432. ومسلم: (كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) 3/1258، وفي رواية مسلم أن القائل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد غلبه الوجع... الخ هو عمر - رضي الله عنه -.

(2) رواه البخاري: (كتاب المغازي، باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم ( فتح الباري 8/132، ح4431. ومسلم:(كتاب الوصية، باب من ترك الوصية) 3/1257، ح1637.

فباطلة معلومة الفساد، وقد أجاب العلماء قديمًا عن بعضها.

وإليك أيها القارى الرد عليها مفصلًا:

قوله أولًا: إن الصحابة اختلفوا ومنهم من عصى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغضب وأخرجهم من البيت...

فيقال له: أما اختلافهم فثابت، وقد كان سببه اختلافهم في فهم قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومراده لاعصيانه كما زعمت.

قال القرطبي في سبب اختلافهم: «وسبب ذلك أن ذلك كله إنما حمل عليه الاجتهاد المسوغ، والقصد الصالح، وكل مجتهد مصيب، أو أحدهما مصيب، والآخر غير مأثوم بل مأجور كما قررناه في الأصول» . (1)

ثم ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعنفهم ولاذمهم بل قال للجميع: (دعوني فالذي أنا فيه خير) (2) وهذا نحو ما جرى لهم يوم الأحزاب حيث قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) (3) فتخوف ناس فوات الوقت، فصلوا دون بني قريظة، وقال آخرون لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فما عنف أحد الفريقين. (4)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت