الصفحة 73 من 678

واما عدم قتله فلقيام الشبهة على ما قيل ، ونظيره ما أخرجه ابن أبي حاتم والبيهقي عن الحسن أن أناسًا من الصحابة رضي الله عنه ذهبوا يتطرقون ، فقتل واحد منهم رجلًا قد فر وهو يقول: إني مسلم ، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم غضبًا شديدًا ولم يقتل القاتل . وكذا قتل أسامة رضي الله عنه فيما أخرجه السدى رجلًا يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فلامه رسول الله صلى الله عليه وسلم جدًا ولم يقبل عذره وقال له: كيف أنت ولا إله إلا الله ؟ ونزل قوله تعالى ] ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا [ الآية وأجاب آخرون بأن العلماء أختلفوا في أنه هل يجب على الحاكم القصاص إذا لم يطلبه الولي أم لا ؟ ولعل الأمير كرم الله تعالى وجهه ممن لا يرى الوجوب بدون طلب ولم يقع . وروى أيضًا أن الأمير رضي الله عنه قال لما جاءه عمر بن طلحة بعد موت أبيه (( مرحبًا بابن أخي ، إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير من الذين قال الله تعالى فيهم: ] ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانًا على سرر متقابلين[ ) )وهذا ونحوه يدل على أنهما رضي الله تعالى عنهما لم يذهبا إلا طاهرين متطهرين .

وأما تلخيص الواقعة الثانية فقد ذكر المؤرخون أن معاوية رضي الله عنه كان قد أستنصر ابنا عثمان رضي الله عنه ووكلاه في طلب حقهما من قتله أبيهما ، فلما بلغه فراغ علي كرم الله تعالى وجهه من وقعة الجمل ومسيرة إلى الشام خرج عن دمشق ( 6 ) حتى ورد صفين في نصف المحرم فسبق إلى سهولة المنزل وقرب من الفرات ، فلما ورد الأمير رضي الله عنه دعاهم إلى البيعة فلم يفعلوا ، وطلبوا منه قتلة عثمان - وكانوا قد أنحازوا إلى عسكره ، ولهم عشائر وقبائل ومع هذا لم يمتازوا بأعيانهم - فمال رضي الله عنه إلى التأخير حتى يمتازوا ويتحقق القاتل من غيره ، فأبي معاوية إلا تسليم من يزعمونه قاتلًا . وكثر القيل والقال حتى أتهم بنو أمية الأمير كرم الله تعالى وجهه بأنه الذى دلس على قتلة عثمان رضي الله عنه ، وكان كرم الله تعالى وجهه قد تصرف بسلاح عثمان فقال لذلك قائلهم:

إذا غار نجم لاح نجم يراقبه

ولا تنهبوه لا تحل مناهبه

سواء علينا قاتلوه وسالبه

كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه

وعند علي سيفه وحرائبه

وهل ينسين الماء ما عاش شاربه

كما فعلت يومًا بكسرى مرازبه

ألا ما لليلى لا تغور كواكبه

بني هاشم ردوا سلاح ابن أختكم ( 7 )

بني هاشم لا تعجلونا فإنه

وإنا وإياكم وما كان منكم

بني هاشم كيف التعاقد بيننا

لعمرك لا أنسى ابن أروى وقتله ( 8 )

هم قتلوه كي يكونوا مكانه

وكان الأمير كرم الله تعالى وجهه يلعن القتلة ويقول (( يا معاوية ، لو نظرت بعين عقلك دون عين هواك لرأيتنى أبرأ الناس من قتلة عثمان ) ). وتصرفه رضي الله عنه بسلاحه لأنه كان من الأشياء الراجعة إلى بيت المال ، وحكمه إذ ذاك كحكم المدافع في زماننا في أن حق التصرف في ذلك للإمام .

ثم إنه قد وقع الحرب بينهم مرارًا وبقى كرم الله تعالى وجهه بصفين ثلاثة أشهر وقيل سبعة وقيل تسعة ، وجرى ما تشيب منه الرءوس وتهون معه حرب البسوس ، وليلة الهرير أمرها شهير ، وآل الأمر إلى التحكيم ، وحدث من ذلك ما أوجب ترك القتال مع معاوية والاستغال بأمر الخوارج ، وذلك تقدير العزيز العليم . وأهل السنة إلا من شذ يقولون: إن عليًا كرم الله تعالى وجهه في كل ذلك على الحق لم يفترق عنه قيد شبر ، وعن مقاتليه في الوقعتين مخطئون باغون وليسوا بكافرين خلافًا للشيعة ، ولا فاسقين خلافًا للعمرية أصحاب عمر بن عبيد من المعتزلة . وأما أن الحق مع علي كرم الله تعالى وجهه فغني عن البيان ، وأما كون المقاتل باغيًا فلأن الخروج على الإمام الحق بغي ، وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية وقد قتله عسكر معاوية . وقوله حين اخبر بذلك (( قتله من أخرجه ) )ومما لا يلتفت إليه وإلا لصح أن يقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتل حمزة وأضرابه ممن قاتل معه صلى الله عليه وسلم ، وكذا قول من قال: المراد من الفئة الباغية الفئة الطالبة أى لدم عثمان ، فلا يدل الخبر على البغي بالمعنى المذموم ، وأما كونه ليس بكافر فلما في نهج البلاغة أن عليًا كرم الله تعالى وجهه خطب يومًا فقال: (( أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والإعوجاج والشبهة ) )، وقوله تعالى ] وإن طائفتان من المؤمنين أقتتلوا فأصلحوا بينهما ، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفئ إلى أمر الله ، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يجب المقسطين [ فسمى الله تعالى الطائفتين المقتتلين (( مؤمنين ) )وامر بالإصلاح بينهما . واجاب بعض الشيعة عن الآية بأنها في قتال المؤمنين بعضهم مع بعض دون القتال مع الإمام والبغي عليه ، والخطاب فيها للأئمة أمروا أن يصلحوا بين طائفتين من المؤمنين أقتتلوا فيما بينهم ، وأن يقاتلوا إذا بلغت إحداهما حتى تفئ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت