فهرس الكتاب
ولا يخفى ما في هذا الجواب من الوهن وعدم نفعه للمجيب اصلًا ، لأن الأمر الثاني يستدعى أن يكون القتال مع الإمام ضرورة فافهم . ومما يدل على ؟أن المحارب غير كافر صلح الحسن رضي الله عنه مع معاوية ، وهو مما لا مجال لإنكاره . وقد روى المرتضى وصاحب ( الفصول المهمة ) من الإمامية أنه لما أبرم الصلح بينه رضي الله عنه وبين معاوية خطب فقال: إن معاوية نازعني حقًا لي دونه ، فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ، وقد كتنم بايعتموني على أن تسالموا من سالمني وتحاربوا من حاربني ، ورأيت أن حقن دماء المسلمين خير من سفكها ولم ارد بذلك إلا صلاحكم أنتهى . وفي هذا دلالة ظاهرة على إسلام الفريق الصالح وأن المصالحة لم تقع إلا أختيارًا ، ولو كان المصالح كافرًا لما جاز ذلك ولما صح أن يقال (( فنظرت الصلاح للأمة وقطع الفتنة ) )أهـ . فقد قال سبحانه وتعالى ] وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [ . ويدل على وقوع ذلك أختيارًا أيضًا ما رواه صاحب ( الفصول ) عن ابي مخنف من أن الحسين رضي الله عنه كان يبدى كراهة الصلح ويقول لو جز أنفى كان أحب إلى مما فعله أخى ، فإنه لا معنى لهذا الكلام لو لم يكن وقوع الصلح من اخيه رضي الله عنهما أختيارًا فإن الضرورات تبيح المحظورات وهو ظاهر .
وبعد هذا كله قد ثبت عند جمع أن معاوية رضي الله عنه ندم على ما كان منه في المقاتلة والبغي على الأمير كرم الله تعالى وجهه واتفق أن بكى عليه كرم الله تعالى وجهه . فقد أخرج ابن الجوزى عن ابي صالح قال: قال معاوية لضرار: صف لي عليًا . فقال: أو تعفيني . قال: بل تصفه . فقال: أوتعفيني . قال: لا أعفيك . قال: أما ولابد فإنه كان والله بعيد المدى ، شديد القوى ، يقول فصلًا ، ويحكم عدلًا ، يتفجر العلم من جوانبه ، وتنطق الحكمة من نواحيه ، يستوحش من الدنيا وزهرتها ، ويستأنس بالليل وظلمته . كان والله غزير الدمعة ، طويل الفكرة ، يقلب كفه ويخاطب نفسه . يعجبه من اللباس ما خشن ، ومن الطعام ما خشن . كان والله كاحدنا يجيبنا إذا سألناه ، ويبتدئنا إذا أتيناه ، ويأتينا إذا دعوناه . إلى أن قال: لا تطمع القوى في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ، فاشهد بالله لقد رايته في بعض مواقفه وقد أرخى الليل سجوفه ، وغارت نجومه ، وقد مثل في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين ، فكأنى اسمعه يقول: يا دنيا يا دنيا ألى تعرضت أم بي تشوقت ؟ هيهات هيهات ، غرى غيرى قد بتتك ثلاثًا لا رجعة لي فيك ، فعمرك قصير ، وعيشك حقير ، وخطوك كبير ، آه من قلة الزاد وبعد السفر ووحشة الطريق . قال: فذرفت دموع معاوية ، فما يملكها وهو ينشفها بكمه ، وقد أختنق القوم بالبكاء . ثم قال معاوية: رحم الله تعالى أبا الحسن ، كان والله كذلك ، فكيف حزنك عليه يا ضرار ؟ فقال: حزن من ذبح ولدها في حجرها فلا ترقأ عبرتها ولا يسكن حزنها . انتهى .
وما يذكره المؤرخون من ان معاوية رضي الله عنه كان يقع في الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد وفاته ويظهر ما يظهر في حقه ويتكلم بما يتكلم في شأنه مما لا ينبغي ان يعول عليه او يلتفت إليه ، لأن المؤرخين ينقلون ما خبث وطاب ، ولا يميزون بين الصحيح والموضوع والضعيف ، واكثرهم خاطب ليل لا يدرى ما يجمع فالاعتماد على ذلك في مثل هذا المقام الخطر والطريق الوعر والمهمة القفر الذى تضل فيه القطا وتقصر دونه الخطا مما لا يليق بشان عاقل فضلًا عن فاضل .
وما جاء من ذلك في بعض روايات صحيحة وكتب معتبرة رجيحة فينبغي ايضًا التوقف عن قبوله والعمل بموجبه ، لأن له معارضات مسلمة في الصحة والثبوت . على أن من سلم من داء التعصب بما يندفع به الطعن عن أولئك السادة الماثل ، والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل وهو حسبنا ونعم الوكيل .
( 1 ) وعندما كانت خطبة الجمعة بعد الصلاة لا قبلها كما في تفسير سورة الجمعة للحافظ ابن كثير عن ابي داود في مراسيله .
( 2 ) في حديث جابر بن عبدالله ان الذين ثبتوا مع النبي أثنا عشر رجلًا فيهم أبو بكر وعمر .
( 3 ) أى على اللذين خرجوا عند وصول القافلة التجارية إلى المدينة ، وكان الذى جاء بالقافلة دحية بن خليفة .
( 4 ) أنظر البيان الوافى عن الأشتر في تعليقات ( العواصم من القواصم ) ص 109 ثم في ص 116 - 119 وص 122 وتقدم في هامش ص 259 أنه هو أحد اثنين زورا الكتاب على لسان عثمان إلى والى مصر . وفي تاريخ الطبري ( 5: 194 ) أعتراف الأشتر بانه أحد قتلة عثمان ، وذلك عند ما سخط على علي كرم الله تعالى وجهه لأنه ولي عبدالله بن عباس البصرة فقال الأشتر (( ففيم قتلنا الشيخ إذن ؟ ) )أما أضراب الأشتر ممن شاركه في قتل عثمان فتجد البيان عنهم في ( العواصم من القواصم ) .