فهرس الكتاب
وأما زعمه: أنه كان في جيش أسامه أبو بكر وعمر، بتعيين رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما ثم تثاقلا عن الخروج معه.
فجوابه: أنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر وعمر أن يلتحقا بجيش أسامة، بل ولا أمر غيرهما بذلك، إذ لم يكن من عادته إذا أراد أن يجهز سرية أو غزوة أن يعين من يخرج فيها باسمائهم، وإنما كان يندب أصحابه لذلك ندبًا عامًا، ثم إذا اجتمع عنده من يقوم بهم الغرض عين لهم أميرًا منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: «إن النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن من عادته في سراياه، بل ولا في مغازيه، أن يعين كل من يخرج معه في الغزو بأسمائهم ولكن يندب الناس ندبًا عامًا مطلقًا، فتارة يعلمون منه أنه لم يأمر كل أحد بالخروج معه ولكن ندبهم إلى ذلك، كما في غزوة الغابة، وتارة يأمر الناس بصفة كما أمر في غزوة بدر أن يخرج من حضر ظهره فلم يخرج معه كثير من المسلمين، وكما أمر في غزوة السويق بعد (أحد) أن لا يخرج معه إلا من شهد أحدًا، وتارة يستنفرهم نفيرًا عامًا،ولايأذن لأحد في التخلف كما في غزوة تبوك...
ولما أمّر أسامة بن زيد بعد مقتل أبيه، فأرسله إلى ناحية العدو الذين قتلوا أباه لما رآه في ذلك من المصلحة، ندب الناس معه فانتدب
معه من رغب في الغزو، وروي أن عمر كان ممن انتدب معه لا أن النبي صلى الله عليه وسلم عين عمر ولا غير عمر». (1)
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يعين أحدًا باسمه، للالتحاق بجيش أسامة، وإنما دعا أصحابه إلى ذلك فالتحق بالجيش كبار المهاجرين والأنصار. (2)
وكان من بين هؤلاء عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - كما نص على ذلك المؤرخون، (3) وثبت أنه فيمن خرج في معسكر أسامة بالجرف، ثم عاد للمدينة مع أسامة، لما بلغه احتضار رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما تقدم بذلك النقل عن ابن سعد. (4)
ثم إن عمر - رضي الله عنه - بقي مكتتبًا في جيش أسامة فلما استخلف أبو بكر وأمر بمسير الجيش استأذن أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر بالبقاء معه لحاجته إليه.
قال الواقدي: «ومشى أبو بكر- رضي الله عنه - إلى أسامة في بيته، وكلمه أن يترك عمر، ففعل أسامة وجعل يقول له: أذنت ونفسك طيبة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) منهاج السنة 4/277-279.
(2) تقدم نقل الروايات في ذلك ص 299.
(3) انظر: المغازي للواقدي 3/1118، والطبقات الكبرى لابن سعد 2/190، وتاريخ الطبري 3/226، والبداية والنهاية 6/308، وسير أعلام النبلاء للذهبي 2/497.
(4) انظر: ص 300 من هذا الكتاب.
فقال أسامة: نعم». (1)
ويذكر الطبري أن أبابكر قال لأسامة لما شيعه في خروجه بالجيش: (إن رأيت أن تعينني بعمر فافعل فأذن له) . (2)
كما نص على هذا غير واحد من المؤرخين والمحققين. (3)
فثبت بهذا أن التحاق عمر بجيش أسامة كان برغبته واختياره، وأن خروجه منه كان بطلب الخليفة، وإذن الأمير فأي لوم على عمر - رضي الله عنه - في ذلك.
وأما أبو بكر فالذي عليه أكثر المؤرخين: أنه لم يكن في جيش أسامة أصلًا، فإنهم سموا من التحق بجيش أسامة من كبار الصحابة، ولم يذكروا فيهم أبا بكر.
قال الواقدي ضمن حديثه عن غزوة أسامة: «فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة: عمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص،
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغازي للواقدي 3/1121-1122.
(2) تاريخ الطبري 3/226.
(3) انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد 2/191، والبداية والنهاية لابن كثير 6/309، ومنهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية 5/448، 6/319.
وأبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل...». (1)
وقال الطبري: «ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بعثًا على أهل المدينة ومن حولهم، وفيهم عمر بن الخطاب، وأمر عليهم أسامة بن زيد» . (2)
وقال الذهبي ضمن ترجمة أسامة: «استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على جيش لغزو الشام، وفي الجيش عمر والكبار» . (3)
فلم يذكر هؤلاء المؤرخون أبا بكر في جيش أسامة، وذكروا بعض كبار الصحابة كعمر، وأبي عبيدة، وسعد وغيرهم، ولو كان أبو بكر في الجيش لكان ذكره أولى وأشهر.
وإنما عدّ أبا بكر في جيش أسامة: ابن سعد قال: «فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين الأولين والأنصار إلا انتدب في تلك الغزوة فيهم: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة...» . (4)
وإلى هذا ذهب ابن حجر في الفتح. (5)
وقال ابن كثير في سياق الموضوع: «وكان بينهم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغازي 3/1118.
(2) تاريخ الطبري 3/226.
(3) سير اعلام النبلاء 2/497.
(4) الطبقات الكبرى لابن سعد 2/190.
(5) انظر: فتح الباري 8/152.
عمر بن الخطاب، ويقال: أبوبكر فاستثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم للصلاة». (1)