فهرس الكتاب
1ـ بالنسبة للرواية الأولى التي ذكرها التيجاني نقلًا عن الدر المنثور لجلال الدين السيوطي فهي رواية عن الأعمش ولم ترفع للنبي صلى الله عليه وسلم إطلاقًا فقد قال السيوطي أخرج ابن المبارك وعبد الرزاق وابن المنذر عن الأعمش قال: لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأصابوا من لين العيش ما أصابوا بعد ما كان بهم من الجهد، فكأنهم فتروا عن بعض ما كانوا عليه ( فعوتبوا ) فنزلت ( ألم يأن للذين آمنوا..) الآية (2) ، فالرواية موقوفة على الأعمش وهو معروف بالتدليس بالإضافة لتفرده بها وعلى العموم الرواية ليست من قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما ادعى التيجاني إضافة إلى تحريف التيجاني الرواية، فبينما الرواية تقول ( فعوتبوا ) حرفها لتستقيم مع كذبه إلى ( فعوقبوا ) فتنبه!...وأما الرواية الأخرى التي أوردها التيجاني فقد قال السيوطي أخرج ابن مردويه عن أنس لا أعلمه إلا مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: استبطأ الله قلوب المهاجرين بعد سبع عشرة سنة من نزول القرآن، فأنزل الله { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } الآية (3) وهذه الرواية التي أخرجها ابن مردويه عن أنس لم أجدها في جميع كتب التفسير المعتمدة إضافةً لمخالفتها للرواية الصحيحة عن ابن مسعود فقد أخرج مسلم في صحيحه أن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية { ألم يأن للذين أمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله } إلا أربع سنين )) (4) بالإضافة إلى أن ابن مسعود أقدم إسلامًا والأعلم بنزول القرآن، فرواية أبن مردويه شاذة ومنكرة، فهي شاذة لأنها خالفت رواية ابن مسعود الأوثق سندًا، ومنكرة لتفرد ابن مردويه في إخراجها فلا متابع له ولا شاهد، والملاحظ هنا ان السيوطي عند تفسيره لهذه الآية أورد عشرين رواية ومن ضمنها رواية ابن مسعود الصحيحة فَلَمْ يعجب التيجاني إلا هاتان الروايتان ظنًا منه أن فيها ما يثلب الصحابة كاشفًا عن سوء خبيئته وفساد طويته ولكن هيهات، فاستدلاله بالسيوطي ليس حجة له بل عليه لأن السيوطي معروف لدى علماء الحديث بإيراده الأحاديث الضعيفة والموضوعة فليس مجرد الاستدلال يدل على الصحة.
2ـ ولو فرضنا أن الروايتين اللتين استدل بهما التيجاني صحيحتان فيكون قول الله لهم مجرد عتاب وحث لهم على زيادة الخشوع وديمومة الخوف من الله لأن الصحابة بلا شك ليسوا معصومين من الأعراض البشرية كالنسيان والغفلة وقد ذكرت في الفقرة السابقة أن القرآن نزل لتربية الصحابة على قيادة الدنيا وليحضهم على الخير وينهاهم عن كل ما فيه شر لهم وضرر فعن ابن مسعود قال: إذا سمعت الله يقول { يا أيها الذين آمنوا } فأوعها سمعك فإنه خيرٌ يؤمر به أو شر ينهى عنه (5) والآية التي نحن بصددها نزلت لتنبيه الصحابة وحضهم على الخشوع وتنبيههم إلى أن اليهود والنصارى قد طال عليهم الأمد فأصيبوا بقسوة في قلوبهم فأصبح الكثير منهم فاسقون وذلك ليحذر المؤمنون من هذا الطريق فيجتنبوه وهذا بلا شك في عداد تربية الصحابة وإلا إن كان لا يجوز مجرد عتابهم فإذًا هم في عداد الملائكة وليسوا في عداد البشر! وحتى النبي صلى الله عليه وسلم نزل القرآن يعاتبه كما في قصة ابن أم مكتوم { عبس وتولى } فإذا كان عتاب الله للصحابة ذمًا فماذا بالله سيقول التيجاني عن عتاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم؟! وقد نزل القرآن لتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال الله له { يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين } وقوله تعالى { فإن كنت في شكٍّ مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك } ( يونس 94) فماذا سيقول هذا التيجاني عن نبي الرحمة؟! هل سيقول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتق الله ويشك فيما أنزل الله إليه؟؟!! أهذا هو التفسير الذي اهتدى بسببه التيجاني؟! بالطبع نعم.... لأن التفسير إذا لم يكن مقرونًا بأصوله التي حددها العلماء فسيتحول إلى تفسير أشبه بتفسير العقلاء المجانين؟!