الصفحة 124 من 223

فكما أنه يلزم من سجودنا التوقف عن الحركة لبرهة من الزمن وهو الإطمئنان الذي هو ركن في الصلاة فإنه لا يلزم بالمقابل أن يتوقف جريان الشمس لتحقيق صفة السجود. لأننا رأينا دلالة عموم لفظ السجود من آيتي الحج والنحل ومن شواهد لغة العرب على أن السجود هو مطلق الخضوع للخالق سبحانه. ومن المعلوم أن السجود عبادة والله قد تعبد مختلف مخلوقاته بما يناسب هيئاتها وصفاتها وطبائعها فكان الإنحناء والنزول للآدميين وكان غير ذلك من كيفيات السجود لسائر الكائنات والمخلوقات مع اشتراكهما في عموم معنى السجود الذي هو الخضوع لله تعالى طوعا أو كرها.

فالشمس تجري في الفلك ونراها تشرق وتغرب دائبة ومع ذلك لها سمت أو منتهى يقابلها

على وجه الأرض تسجد عنده لله تعالى ويكون ذلك السمت أو الحد مقابلًا في تلك اللحظة

لمركز باطن العرش كما أشار إلى ذلك ابن كثير رحمه الله في البداية والنهاية.

هذا وبقي في الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم فائدتان لطيفتان تزيلان لبساَ كثيرًا

الفائدة الأولى:-

في قوله عليه الصلاة والسلام:"فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش"عند البخاري وغيره. ولم يقل عليه الصلاة والسلام أنها"تغرب تحت العرش"أو"حتى تغرب تحت العرش"وهذا فهم توهمه بعض الناس الذين أشكل عليهم هذا الحديث وهو فهم مردود لأن ألفاظ الحديث ترده. فقوله:"تذهب"دلالة على الجريان لا دلالة على مكان الغروب لأن الشمس لا تغرب في موقع حسي معين وإنما تغرب في جهة معينة وهي ما اصطلح عليه الناس باسم الغرب والغروب في اللغة التواري والذهاب كما ذكره ابن منظور وغيره يقال غرب الشيء أي توارى وذهب وتقول العرب أغرب فلان أي أبعد وذهب بعيدًا عن المقصود.

أما الفائدة الثانية:-

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت