فهرس الكتاب
وأيضًا يقولون: قتل النفوس فساد، فمن قتل النفوس على طاعته كان مريدًا للعلو في الأرض والفساد. وهذا حال فرعون. والله تعالى يقول: { تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ } [القصص: 83] ، فمن أراد العلو في الأرض والفساد لم يكن من أهل السعادة في الآخرة. وليس هذا كقتال الصديق للمرتدين ولمانعي الزكاة، فإن لاصديق إنما قاتلهم على طاعة الله ورسوله، لا على طاعته. فإن الزكاة فرض عليهم، فقاتلهم على الإقرار بها، وعلى أدائها، بخلاف من قاتل ليُطاع هو. ولهذا قال الإمام أحمد وأبو حنيفة وغيرهما: من قال: أنا أؤدّي الزكاة ولا أعطيها للإمام لم يكن للإمام أن يقاتله. وهذا فيه نزاع بين الفقهاء، فمن يجوّز القتال ترك طاعة ولي الأمر جوّز قتال هؤلاء، وهو قول طائفة من الفقهاء، ويحكى هذا عن الشافعي رحمه الله. ومن لم يجوّز القتال إلا على ترك طاعة الله ورسوله، لا على ترك طاعة شخص معين، لم يجوّز قتال هؤلاء.
وفي الجملة فالذين قاتلهم الصديق رضي الله عنه كانوا ممتنعين عن طاعة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم والإقرار بما جاء به، فلهذا كانوا مرتدين، بخلاف من أقرّ بذلك ولكن امتنع عن طاعة شخص معين كمعاوية وأهل الشام، فإن هؤلاء كانوا مقرِّين بجميع ما جاء به الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم: يقيمون الصلاة، ويؤتون الزكاة، وقالوا: نحن نقوم بالواجبات من غير دخول في طاعة عليّ رضي الله عنه، لما علينا في ذلك من الضرر، فأين هؤلاء من هؤلاء؟