فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 105

واعلم أن طائفة من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأحمد جعلوا قتال مانعي الزكاة وقتال الخوارج جميعًا من قتال البغاة، وجعلوا قتال الجمل وصفين من هذا الباب. وهذا القول خطأ مخالف لقول الأئمة الكبار، وهو خلاف نص مالك وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم من أئمة السلف، ومخالف للسنة الثابتة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فإن الخوارج أمر النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بقتالهم، واتفق على ذلك الصحابة. وأما القتال بالجمل وصفين فهو قتال فتنة، وليس فيه أمر مكن الله ورسوله ولا إجماع من الصحابة، وأما قتال مانعي الزكاة إذا كان ممتنعين عن أدائها بالكلية، أو عن الإقرار بها، فهو أعظم من قتال الخوارج.

وأهل صفين لم يبدؤوا عليًّا بالقتال، وأبو حنيفة وغيره لا يجوّزون قتال البُغاة إلا أن يبدؤوا الإمام بالقتال، وكذلك أحمد وأبو حنيفة ومالك لا يجوّزون قتال من قام بالواجب إذا كانت طائفة ممتنعة قالت: لا نؤدي زكاتنا إلى فلان، فيجب الفرق بين قتال المرتدين وقتال الخوارج المارقين.

وأما قتال البغاة المذكورين في القرآن فنوع ثالث غير هذا وهذا، فإن الله تعالى لم يأمر بقتال البغاة ابتداء، بل أمر إذا اقتتلت طائفتان من المؤمنين بالإصلاح بينهما، وليس هذا حكم المرتدين ولا حكم الخوارج. والقتال يوم الجمل وصفين فيه نزاع: هل هو من باب قتال البغاة المأمور به في القرآن؟ أو هو قتال فتنة القاعد فيه خير من القائم، فالقاعدون من الصحابة وجمهور أهل الحديث والسنة وأئمة الفقهاء بعدهم يقولون: هو قتال فتنة، ليس هو قتال البغاة المأمور به في القرآن، فإن الله لم يأمر بقتال المؤمنين البغاة ابتداء لمجرد بغيهم، بل إنما أمر إذا اقتتل المؤمنون بالإصلاح بينهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت