الصفحة 113 من 237

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لاَ تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلاَ عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ [القصص: 23 - 28] . ويعجز القلم عن الإحاطة بكل ما في هذه الآيات الست من عبر وآداب وتشريعات تكفل السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة (2) . ولكننا سنحاول - بتوفيق الله وحده - التركيز على ما يتعلق منها بموضوعنا هنا، وهو ضوابط عمل المرأة خارج المنزل ودور كل الأطراف في رعايتها والآداب والواجبات المطلوبة من الجميع رجالًا ونساءً:

(أ) لا يجوز للمرأة الخروج للعمل خارج المنزل إلا في حالات الضرورة القصوى. وأهم تلك الحالات عدم وجود رجل من المحارم يكفيها مئونة العمل. فقد ذكرت الفتاتان أن الأب يعانى من أمراض الشيخوخة وغير قادر على العمل بدلًا منهما {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ} , ومن الواضح أنه لم يكن لهما أخ أو عم أو خال يقوم مقام الأب في العمل، فاضطرت الفتاتان إلى الخروج لسقى الأغنام حتى لا تهلك عطشًا.

(ب) وإذا اضطرت المرأة للخروج للعمل فليكن ذلك بكل إحتشام وعفة، وعليها تجنب الاختلاط بالرجال الأجانب - من غير المحارم - فقد كانتا تُبعدان الأغنام عن البئر، وتحرصان على عدم السقى إلى أن يفرغ الرعاة وينصرفون كلهم من المكان، وبذلك لا يجد أى متطفِّل أو فاسق أية فرصة للتقرب منهما، ويُغْلق الباب تمامًا في وجه الشيطان والفتنة ودواعى الرذيلة. كما أنهما لم تتحدَّثا مع أحد مطلقًا، ولولا أن موسى - عليه السلام - هو الذي بادر وسألهما بكل أدب عن أمرهما - ليساعدهما - لما تحدثت إليه إحداهما. وقد تركتا له أداء العمل الشاق.

(جـ) الكلام مع الرجال الأجانب للضرورة فقط، وبالقدر اللازم لشرح الحال دون زيادة. كما نلاحظ إلتزام الحياء التام: {تَمْشِى عَلَى اسْتِحْيَاءٍ} . وروى عن عمر بن الخطاب أن الفتاة جاءت تُبلِّغه دعوة أبيها، وكانت منتقبة عفيفة ليست بكثيرة الخروج والتنقل من مكان إلى آخر بلا ضرورة.

(د) على الحاكم أو القادرين من الرجال في المجتمع أن يبذلوا كل ما في وسعهم لإعفاء النساء من مشقة العمل خارج المنزل، وصونهن عن الاحتكاك والاختلاط بغير محارمهن. فقد قام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت