فهرس الكتاب
الفصل الرابع
القوامة
أثار الخصوم شبهة حول قوله تعالى: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} [البقرة: 228] وقوله تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34] . وهما آيتان عظيمتان وضعتا دستورًا للحياة الزوجية، يكفل حسن المُعاشرة واستقرار الأسرة على أكمل وجه ممكن الحدوث بين البشر. ولو فهم المشاغبون معنى القوامة لغة وشرعًا لوجدوا أنها من دلائل عظمة الإسلام وحكمته, بل فضله ورحمته بالمرأة.
ففي اللغة: قام الرجل بالمرأة وقام عليها قام بشأنها، وقوَّمت الشيء عَدَّلْتُه (1) . فالقوامة تعنى القيام على الشيء بما يصلح شأنه ويرعى مطالبه (2) . والمفهوم الشرعى للقوامة لا يختلف عن المفهوم اللغوى. يقول العَلاَّمَة القرطبى - رضي الله عنه - في معنى قوله - تعالى - {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ} :"أي: يقومون بالنفقة عليهن والذَّبِّ عنهن - الدفاع عنهن وحمايتهن - وقيل: نزلت بسبب كلام بعض النساء عن الميراث، فبيَّن الله - تعالى - أن تفضيلهم عليهن في الإرث لما على الرجال من دفع المهر والإنفاق, ثم فائدة تفضيل الرجال عائدة إليهن، وقيل: الرجال لهم فضيلة في زيادة العقل والتدبير، وقيل: زيادة قوة في النفس والطبع، فيغلب عليهم القوة والشدَّة، وطبع النساء يغلب عليه اللين والضعف, فجعل لهم القيام عليهن بذلك وبالإنفاق. وقوَّام: فعَّال للمبالغة من القيام على الشيء والنظر فيه وحفظه بالاجتهاد، فقيام الرجال على النساء هو على هذا الحد، وهو أن يقوم بتدبير شؤونها. ويضيف القرطبى:"ودلَّت هذه الآية على تأديب الرجال نساءهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فينبغي أن لا يسيء الرجل عشرتها". وفهم العلماء من قوله - تعالى: {وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوَّامًا عليها، وكان لها حق فسخ العقد - الزواج - لزوال المقصود الذى شرع الله لأجله النكاح، وفيه دلالة واضحة من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند إعسار الزوج - أي: عجزه عن النفقة وهى الطعام والكسوة - وهو مذهب مالك والشافعى، وقال أبو حنيفة: لا يُفسخ, ويعطى الزوج مهلة؛ لقوله - تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280] انتهى. (3) ."
وهكذا, فإن القوامة تعنى مسؤوليات خطيرة وأعباء جسيمة، وليست ترفًا أو وجاهة أو حتى سببًا للتباهى والتعالي, إنها أمانة تنوء بحملها الجبال؛ لأن الزوج راعٍ على زوجته وأولاده بنصِّ